أوراق "عبد الله العروي"

" أوراق " عبدالله العروي

القراءة التوجيهية من المؤلِّف إلى المؤلَّـف 
شخصية فكرية وإبداعية , ارتبط اسمه بالدعوة إلى إعادة قراءة التاريخ المغربي " تاريخ المغرب , محاولة في التركيب " ,
وقد تركزت نظرته على ضرورة النقد والانتقاد للكتابات التاريخية ذات الطابع الرسمي , على أساس تجاوزها للأمانة العلمية والدقة المنهجية , في عرض الوقائع والأحداث , مما أنتج تاريخا يفتقر إلى الصدق والانطلاق من الحقائق .
كما اقترن اسم عبد الله العروي ,
بالمساهمة المبكرة في المشروع التنظيري لآفاق المجتمع العربي المعاصر , على أساس طرح تصور جديد لما يمكن أن يكون عليه المشروع الفكري النهضوي العربي , انطلاقا من حاجات مراجعة الذات وقراءة التراث التاريخي , من منظور متحرر يكفل التفاعل الايجابي مع متغيرات العصر, فكان كتابه :
الإيديولوجيا العربية المعاصرة .
وجاءت كتاباته حول بعض المفاهيم مثل الدولة والحرية والعقل , ضمن سياق انشغالاته بإعادة النظر في كثير من الثوابت التي استمرت تتحكم في التفكير العربي , على أساس أنها مسلمات مطلقة , لا يمكن التخلص من سلطتها وسيطرتها على الوعي والسلوك الفردي والجماعي ,
غير أن الأهم , هو مشروعه الأدبي المتمثل أساسا في مجموعته الروائية " الغربة " " اليتيم " "الفريق" ثم مؤَلَّف أوراق.
لماذا تحدثنا عن المؤلفات الثلاثة على أساس أنها روايات دون تصنيف أوراق ؟
هل تندرج ضمن نوع من الكتابة غير الروائية ؟
هل يتعلق الأمر باستعصاء تصنيف " أوراق " , بحيث لا يمكن الحسم في تجنيسها الأدبي بين الكتابة السيروية والكتابة الروائية , بعد إعلان العروي نفسه عن كونها سيرة إدريس الذهنية ؟
************
أما المؤلَّف ,
فيمكن الوقوف عنده ضمن القراءة التوجيهية , من خلال
شكل إخراجه(الحجم / الورق/ تأثيث الصفحة الأولى و الأخيرة )
وبنية تأليفه(العنوان / الملحقات /المقدمة / الخاتمة / الفهرس / الهوامش / التوزيع بين الفصول و الأقسام / العناوين الفرعية/ الاتصال والانفصال) ,
وما يتصل بهما من مؤشرات تتصل بالإصدار و الطبعة.
مقاربة المحدد الذي أعلن عنه العروي : " سيرة إدريس الذهنية "
المفهوم العام للسيرة ؟ و أسئلة التاريخ المرتبطة بالصدق والأمانة والدقة .
ماذا يمكن أن يعني مصطلح السيرة الذهنية ؟
سيرة ذهنية على أساس تتبع ومتابعة ما يتصل بالنشاط الفكري والعقلي لشخصية إدريس ؟ أ
م سيرة ذهنية على خلفية ما يروج عنه في أذهان الآخرين من المحيطين به أو الذين عايشوه سواء عن قرب أو بعد في ماضيه وحاضره ؟
يقودنا التساؤل حول البحث عن مادة تلك السيرة الذهنية , إلى السؤال عن نوعية السيرة المرتقبة ,
هل هي سيرة ذهنية لإدريس كتبها عن نفسه في إطار السيرة الذاتية ,؟
أم أنها مكتوبة عنه من الخارج في إطار السيرة الغيرية ؟
*****************
القراءة التحليلية :
- وقفة مع المقدمة باعتبارها توجه القارئ نحو القصد من التأليف والرهان الذي انشغل به الكاتب كرسالة للمتلقي .
- مساءلة الفصول :
* من خلال تلخيصاتها
* من خلال محاورها وموضوعاتها وقضاياها
* من خلال إحالاتها ومؤشراتها
- محاولة الارتباط بالمحدد الذي أعلنه العروي حين حصر " أوراق " بسيرة إدريس الذهنية .

مــؤلــف * أوراق * لعبد الله الـعـروي 1

إن ورقات *إدريس* التي ستشكل محور البناء السردي , تجد مرجعيتها في الذاكرة التاريخية , انطلاقا من تحركه من* الصديقية* إلى *مراكش* ثم *الرباط * ، وصولا إلى *باريس* قبل عودته في النهاية إلى المغرب.
و سيؤطر هذا التحرك منعطفات المراحل التي تشكل فيها وعيه و وجدانه، إذ احتك فيها بموضوعات طبعت مسار تعلمه و تربيته. وهي مراحل تلخص سيرته الذهنية بدءاً بولادته و انتهاءً بموته، من هنا يمكن اعتبار الأوراق، وثائق شخصية يحكي فيها إدريس مراحل نمو وعيه بالدرجة الأولى، أو أرضية تساعد على توضـيح تشـكل هذا الوعي،
و قد تميزت الأوراق بعدم الخضوع للتعاقب الخطي المنتظم، بــل قامت على التضمين و الانشطار الحكائي و التقطعات الزمنية، فهناك تضمينات حكائية داخل الأوراق، و هناك انقسام و تفرع المحكي المحوري إلى محكيات متصلة أو منفصلة , تـؤثـث الفضاء الزمكاني للحياة التي عاشها *إدريس*
من هنا ينعدم الترتيب الزمن الكرونولوجي التعاقبي في "أوراق"، لـيعوض بترتيب موضوعاتي , يتجلى في البنية المكونة من ثلاثة أقسام و تسعة فصول و ثمانية و ثلاثين ورقة وقعها إدريس......§ -/*/*-*/
و هكذا نجد "أوراق" تتكون من ثلاثة أقسام، تبدأ بمدخل أو استهلال بعنوان "شبح شعيب" و تنتهي بخاتمة بعنوان "التأبين"، إضـافة إلى تذييل الكتاب بالهـوامش، و فهرس المحتويات. و كل قسم من هذه الأقسام يشمل ثلاثة فصول، و لكل فصل عنوان يميزه، و يكون عددها تسعة تضم دراسات في الأدب و التاريخ و الفكر... و بذلك تعكس تداخل الروائي و المؤرخ و المفكر عند عبد الله العروي.........
نكتشف أن "إدريس" يمثل رؤية المثقف العربي الذي يؤمن بمواقفه و يتشبت بها، و تتلخص في إيمانه بقضيته الوطنية التي يحاول أن يجعلها سامية تتنزه عن كل مصلحة مادية، هذه المصلحة التي تشكل رؤية أخرى، يجسدها الطلبة الفوضويون الذين سارعوا إلى العودة من فرنسا إلى المغرب بعد إعلان الاستقلال، للتكالب على المناصب و اغتنام الامتيازات...... أما النسيج الاجتماعي الذي انتظم أحداث النص، فيتكون أغلبه من فئات مثقفة، يقف إدريـس على رأسها رمزا لطبقة واعية تتابع الأحداث الوطنية و تناقشها و تحلل قضاياها و تستشرف آفاقها المستقبلية. و هذا يحيل أيضا على تيار الحركة الوطنية التي مثلت عنصر إصلاح عن طريق الوعي، و تبني مشروع يهدف إلى ترسيخ المقومات الوطنية العربية الإسلامية في فئات المجتمع و توعيتهم بهويتهم... و في هذا الإطار يناقش إدريس أباه، و يعارض تصورات* إدريس الشرايبي* في كتابه "الماضي البسيط"، كما يشير إلى بعض الشخصيات الوطنية الممثلة للإصلاح على مستوى الزعامة، حيث نجد حديثا عن *علال الفاسي* و كتابه "النقد الذاتي" الذي صدر في أواخر الأربعينيات، و لخص فيه مشروعا إصلاحيا مستقبليا يسير على ضوئه مغرب مرحلة الاستقلال.... كـذلك نجـد الفئة الممثلة للوجهة المناقضة، و على رأسها الاستعمار الفرنسي و الممثلون لإديولوجيته القائمة على الانتقاص من المشروع الإصلاحي الوطني، و اتهـام أصحـابه بالتحـالف مع الشيـوعيين لزحزحة الرابطة القوية بين الوطنيين ومحمد الخامس، و كذا للتأثير على السياسة الأمريكية في هذه المرحلة.
يمكن أن نضيف في مجال الطابع الحواري لأوراق ما يمكن اعتباره تناصا، حيث نجد فيها تداخلا مع نصوص فلسفية تتمثل في قراءات و تعليقات إدريس لكتب المفكرين و الفلاسفة، و نصوص تاريخية تحيل بالخصوص على جوانب من تايخ المغرب، و نصوص أدبية نقدية تناقش قضايا الكتابة بصفة عامة، و نصوص سينمائية تناقش أشرطة و تعلق عليها. بل نجد هذا التناص يتقاطع مع أعمال العروي الروائية الأخرى كـ "اليتيم" و "الغربة" و "الفريق"، و ذلك على مستوى الشخصيات و الموضوعات و الفضاءات، و كأنه بذلك "كان يجد نفسه - تحت تأثير التجريب" مشدودا إلى كتابة (مطولة) تتفق في الشخوص و الفضاء و الزمن و الموضوعات..... يمكن تلخيص الدلالات النفسية عند إدريس بشعوره بالفراغ العاطفي على مستويات متعددة، فهو اليتيم الذي فقد الأم منذ طفولته المبكرة وبالتالي فقد حنان التربية في هذه المرحلة، وعايش أسرة لم يستطع أفرادها ملء الفراغ الذي تركته الأم.


مــؤلــف * أوراق * لعبد الله الـعـروي 2

رفض الكاتب عرض المحتوى من خلال تعاقب خطي / فاعتمد الحكي الذي يتضمن انشطارات الذاكرة وهي تستحضر أحداثا وحالات معيشية من حياة الإنسان المغربي, للدفع بالقارئ إلى الانخراط في إعادة صياغة ذلك المحكي, كما اعتمد تعدد أصوات الحكي بين *الراوي* و *شعيب* و *إدريس* لاستغراق الأربعين سنة من عمر إدريس, وجاء هذا التعدد و النوع , ليضفي تشويشا مقصودا , كي يواجه المستهدف بالنص على مستوى البعدين النقدي و الانتقادي , فيطرح السؤال حول جنس *أوراق* ورهانها بين التاريخي والفني .
هل كان الاتجاه نحو إعادة تصوير الواقع أم صوب إعادة كتابة التاريخ ؟
هل يحيل النص سواء اعتبرناه سيرويا أو عددناه روائيا على نموذج يتطلع إليه الكاتب عبد الله العروي ؟
هل ارتبط العروي بالتاريخ عاطفيا و ذهنيا قبل الارتباط به ثقافيا ومعرفيا ؟
هل اختار العروي الفن السردي قصة ورواية , أداة تعبيرية عن رؤيته التاريخية ,باعتبار إمكانياته التمويهية التي تنفلت من عين الرقابة على التاريخ الرسمي ؟ أو أنه اختاره لقيامه على الانسياب في الرواية و الحكي, وهو أحد مقومات التاريخ الذي يشتغل أساسا على المحكي كمادة تاريخية ,؟
إذا كان من الوارد افتراض اتجاه العروي إلى التاريخ عبر بوابة السـرد, بحيث تتم إعادة كتابتـه عرضا وتحليلا ونقدا من منظور مغاير, كما تتم إعادة حكيه بصيغة فنية تحقق المتعة المعرفية المتجددة , التحايل على التاريخ بالفن,
هل يمكن افتراض اتجاه العروي إلى السرد عبر بوابة التاريخ , لأن مادته الموضوعية , حدثية بطبيعتها , بحيث تعتمد على حركة الإنسان في الزمان والمكان , في سيرورته وصيرورته , و هو يصارع أسباب موته ضد نفسه وضد الوجود من حوله , بمختلف مظاهره الطبيعية والاجتماعية والسياسية والثقافية .
يمكن أن نقرأ * أوراق * أفقـيـا , من خلال الربط بين تتابع حكي إدريس عن نفسه,وبين حكي شعيب والراوي عنـه , على أساس أنها كتابة سيروية , تندرج ضمن السرد الجديد الذي لا يعترف بالفصل بين الأجناس الأدبية , بحيث يتم التعامل مع التاريخ بلغة السرد الفنية.
كما يمكن أن نقرأ *أوراق* عموديا, من خلال إحالة مختلف الوقائع السردية, على مكونات المادة التاريخية المتصلة بها في الواقع , بحيث يتحول قارئ النص السردي السيروي , إلى قارئ للنص التاريخـي , برؤية متجددة ترفض التسليم بالأحكام الجاهزة والمقولات المسلم بها على اليقين المطلق لفائدة اليقين النسبي
تنطلق *أوراق* عبد الله العروي من موت إدريس , لاستحضار مسيرة حيـاتـه , منذ تحرك" من الصديقية إلى مراكش والرباط و البيضاء , استعدادا لرحلته إلى باريس التي تشكل فيها وعيه بذاته وبالعالم , قبل الرجوع إلى المغرب ليحتضنه الموت .
ويتم على امتداد عرض الورقات و تداول الفاعلين حولها ,تقديم مختلف التحولات التي مر بها إدريس , من بداية الوعي الحسي المنفعل بتأثيرات المحيط ( استحضار البيئة الأسرية والتربوية والاجتماعية والدينية) , إلى مرحلة النضج الذهني والفكري , المتفاعل مع تأثيرات الثقافة بمختلف حمولاتها الدينية و التربوية و الإيديولوجية .(الجرد العام لمقروءات إدريس الأدبية والفكرية و الفلسفية والدينية)
هل قصد العروي كسر رتابة السرد الحكائي ذي الطابع التاريخي برفض الخضوع للتعاقب الخطي المنتظم , لفائدة التضمين الذي يستفيد من استحضار وقائع من الذاكرة عن طريق الاسترجاع ؟
إن طبيعة المرويات التي تعرضها ورقات إدريس , ويسعى كل من الراوي وشعيب لإعادة ترتيبها وتنظيمها ,أو تحليلها والتعليق عليها , كل من موقع علاقته بإدريس , إن تلك المرويات لا تقدم أخبارا عن حوادث عيشت في الواقع الكائن فحسب , وإنما تقدم هموما وانشغالات ظلت تؤرق الذهن حول ما كان ينبغي أن يكون ,(نقف في هذه الملاحظة على الرؤى التي عبر عنها إدريس , في سياق قراءتـه للواقع السياسي والاجتماعي والديني :/ الشعب / الوطن / الحزب / التخلف / الإسلام/ الرأسمالية / الاشتراكية / الشيوعية / الفوضوية / الفلسفة / الغرب / المرأة / ) ......لذلك يعتبر البعض ورقات إدريس، وثائق شخصية يحكي فيها عن مسار نمو وعيه , قبل وخلال تشـكل هذا الوعي، ليس أساس التتابع الزمني وفق التسلسل التاريخي , وإنما على أساس القضايا والموضوعات التي شغلته كما شغلت جيله , مع تفاوت في درجات ذلك الوعي .
في "أوراق"، ثلاثة أقسام يشمل كل قسم منها ثلاثة فصول, و لكل فصل عنوان يحيل على الموضوعة التي ستكون محوره. وتنطلق من مقدمة "شبح شعيب" لتنتهي إلى خاتمة "التأبين"، قبل عرض الهـوامش، و فهرس المحتويات
يهيمن حضور التأمل والتفكير على مختلف ورقات إدريس , فيبدو ممثلا لحركة الوعي الوطني , معبرا عن تحولاتها في اتجاه البحث عن صيغة مناسبة للخروج من أزمة الواقع , تتناسب مع خصوصيات الذات المغربية , بمراعاة هويتها اللغوية والثقافية والدينية, ويكون إدريس بذلك , مثالا للمثقف المغربي المؤمن بقضيته الوطنية , في مواجهة تفكير بعض مجايليه من الأدباء (معارضتـه لتصورات إدريس الشرايبي في كتابه "الماضي البسيط") أو السياسيين (علال الفاسي ومشروع الإصلاح لمغرب ما بعد مرحلة الاستقلال من خلال كتابه "النقد الذاتي")
لا يعني ذلك سكوت إدريس عن همومه الفردية ذات الصلة بشخصيته العاطفية والفنية , مما له صلة بالظروف التي نشأ فيها أو المحيط الدي انفعل به وتفاعل معه نفسيا واجتماعيا (اليتم / العزلة/ الواقع / الوطن / الاحتلال

مــؤلــف * أوراق * لـعـبـد اللـه الــعــروي3


يذهب البعض إلى اعتبار الأقسام والفصول المكونة لبنية مؤلف أوراق , تنويعا سرديا يعكس مقاصد ذهنية تشعل عبد الله العروي المؤرخ قبل الأديب , وحددوا تبعا لهذا الاعتبار ,رهانين سعت أوراق إلى تحقيقهما , الأول أصلي ,يرتبط بالرؤية العروية للتاريخ ,والمعبر عنها بأساليب مختلفة حول مقولة غياب التاريخ التاريخي في التأليف المصنف على أنه تاريخ . والثاني فرعي , يتصل بالأداة التعبيرية التي اختارها العروي لتمثيل قناعته السالفة , ويتعلق الأمر هنا بالكتابة السردية, موضوع السجال الحاد بين قائل بنسبتها إلى السيرة وقائل بردها إلى الرواية , بل اختزل بعضهم إشكالية التجنيس في اعتبار أوراق سيرة روائية يمكن أن تؤول إلى رواية سيروية, بحيث يتم التعاطي معها من زاوية الجنسين الأدبيين .
ولأن التعامل مع النوايا والمقاصد التي سعى عبد الله العروي إلى تجسيدها من خلال ورقات إدريس وما دار حولها من أحاديث وحوارات بين شعيب والراوي , يمكن أن يتوه القارئ بين ما هو ذاتي وما هو غيري في تعبيرات العروي , بمعنى أن ثمة أفكارا تضمها الحكي , ليست بالضرورة من صميم قناعة العروي, فإن أسلم طريق لمقاربة نوعية الكتابة التي راهن عليها العروي , إنما يجب أن تمر عبر الصريح في النسبة اليه , من داخل النص وليس من خارجه , وذلك اعتمادا على ما يقترب من الاعترافات والبيانات ممن يفترض فيهم أنهم مرايا متقابلة تنعكس عليها الصورة .
وقد أخذت بعض من تلك التعبيرات , لتناولها بالتحليل , كمؤشرات دالة على نوعية الكتابة التي راهن عليها عبد الله العروي في أوراق :

اقرأ الأوراق, حللها, أولها, ربما تفهم سبب موته.
أنت أقدر الناس على استنباط مـا نـوى.
كنت أظن أني أعرف إدريس.
ثم باعدت بيننا الحياة عند انتهاء الدراسة.
أتصفح الأوراق فـأكتشف شخصا آخر.
يدعي البعض القدرة على استحضار الماضي.
لا أستطيع حتى استحضار شكل إدريس.
كل واحد من الصديقين يقرأ الأوراق ويفهمها حسب تكوينه الذهني واختياره العقائدي.
للقارئ أن يفصل.
الأبسط هو فتح الطريق إلى الاستماع.

مــؤلــف * أوراق * لـعـبـد اللـه الــعــروي4


اقرأ الأوراق........ يفترض صدور الآمر بالقراءة عن الشخصية التي تملك موقعا أقوى بالنسبة للمأمور , إلا أن موقع شعيب هنا غير ذلك , لأنه يدعو الراوي إلى قراءة الأوراق على خلفية الحاجة إلى تحليلها وتأويلها, كأنه يدفعه إلى معرفتها في ضوء ما تحتفظ به ذاكرته عن *إدريس* , وليس فقط عبر ما تصرح به تلك الأوراق ,و يأتي لفظ *ربما * لإفادة احتمال فهم سبب موته , منعا لأي اعتقاد في الاقتدار على القول الفصل في تحديد ذلك السبب , بحيث تحيلنا نفس اللفظة على هامش الشك الذي يتبناه شعيب .
تبدو الدعوة إلى القراءة بصيغة الأمر, خطابا موجها لجميع المعنيين بمراجعة الإرث المتخلف مكتوبا على الورق , من قبيل التاريخ أساسا, إذ ما أحوجه إليها تحليلا وتأويلا , دون تناسي احتمال الشك فيما يمكن أن يوحي باليقين المطلق .
أنت أقدر الناس ........... لعل التوكيد على القدرة بصيغة التفضيل المفيدة للإطلاق , تتعارض مع ما سعى *العروي* إلى نفيه في العبارة الأولى , خاصة إذا استحضرنا ترابط هذه القدرة باستنباط النوايا,و تجاوزها للعلم بالممكن إلى العلم بالغيب . غير أن العبارة تحافظ على اتصالها بالسابق , مع افتراض صدور التأكيد عن اقتناع راسخ بأن ثمة حقيقة يمكن البحث عنها في المعرفة بالذات التي يعود إليها وحدها الاقتدار على الاستنباط ..... أليست العبارتان معا صادرتين عن *شعيب* في نفس السياق , و متـعلقـتـين بـتـوجيه الخطاب لنفس الشخص / *الراوي* .؟
لقد حاول شعيب أن يتوسل بالراوي في الوصول إلى حقيقة موت إدريس , لأنه في رأيه يمتلك القدرة على تجليتها بظاهرها القابل للتحليل والتأويل, قدرته على استنباط باطنها الذي تختزنه النوايا.
و أمر *شعيب * للراوي بالبحث عن سبب موت إدريس, من منطلق احتمال الفهم, غير منفصل عن البحث في النوايا , مما لم يكن معلنا بأقوال أو أفعال, إذ القاسم المشترك بينهما فضاء الحياة الممتدة بين الحضور المتجلي في حركة الذهن والغياب المحكوم بحركة الواقع ........ كنت أظن أني أعرف إدريس ......... هكذا يرد الراوي على دعوة شعيب في نفس السياق , منطلقا من الماضي المثبت ,لإفادة الاعتراف بأن معرفته بإدريس قد أصبحت معلقة وموضع شك وسؤال , كأنه يترك للقارئ تقدير النفي في الحاضر ,بعدما تبين للراوي في النهاية أن ما كان يعرفه عن إدريس , إنما كان من قبيل الصورة غير الحقيقية له... .. هل كان الراوي يريد وضع شعيب أمام حقيقة استحالة التعرف على إدريس من خلال ورقاته , باعتبارها لا تمثل معرفته به, على امتداد صحبة الدراسة في الداخل والخارج ؟ أم أنه كان يقصد الإحراج الذي وقع فيه هو نفسه , بسبب اكتشاف شخصية أخرى لم يعهدها في إدريس , وهو الذي كان يظن أنه يعرف إدريس ؟ إن الموقف العبر عنه , منسجم مع الفكرة التي يؤمن بها العروي , والمرتكزة حول فكرة التجني على التاريخ , حين يدعي كاتبه المعرفة بتفاصيله الكبرى ناهيك عن الصغرى , .... وسيكون الراوي بذلك أمام صورة لإدريس بوجهين : وجه ترتسم ملامح شخصيته في ذاكرته , و وجه يتكشف أمامه غريبا لا عهد له به , تتضمنه الأوراق .لكنه دونما حاجة إلى التساؤل عن أي الوجهين أكثر مصداقية في تمثيل إدريس , يسارع إلى نفي معرفته به لفائدة الشك , هل كان بذلك يشكك في فيما تقدمه الأوراق ؟ هل كان يستهدف نزع اليقين الممكن كما يراه شعيب ؟ أم أنه ببساطة , يضع القارئ أمام الحاجة إلى الاستقصاء المنهجي في التعامل مع ما يعتبر من قبيل السيرة التي تدعي القدرة على تقديم الحقيقة ؟ إن الراوي إزاء خيارين : إما أن يصدق معرفته ؟ وإما أن يصدق ما تقوله الأوراق ........ثم باعدت بيننا الحياة عند انتهاء الدراسة ..... بهذا يحاول الراوي أن يبرر موقفه , فيرد ظنه إلى عامل الزمن والحياة ,باعتبارهما متغيرين حاسمين , يرجع إليهما هذا التلاشي الذي أصاب معرفته بإدريس ,إذ ثمة ما يجهله , بعدما باعدت بينهما الحياة عند انتهاء الدراسة ,مـؤكدا مرة أخرى تأثير الانفصال على مخزون الذاكرة , حين تحاول استحضار الماضي على الهيئة التي تشكل منها ......... أتصفح الأوراق فـأكتشف شخصا آخر.... ويعود الراوي مجددا إلى تبرير عجزه عن الاستجابة لمطلب شعيب , مادام يكتشف شخصا آخر غبر تصفحه للأوراق , لا علاقة له بالشخص الذي عرفه , نافيا بذلك لشعيب ما كان لديه من اعتقاد حول إمكانية التحليل والتأويل , على خلفية معرفة الراوي بإدريس , وبالتالي فكتابة السيرة مستحيلة بالمعنى التاريخي الذي يتطلب الصدق والتوثيق والأمانة والموضوعية , بحيث لا يمكن للمؤلف فيها إلا أن يعـتـرف بتصنيف ما يكتبه داخل جنس آخر غير الكتابة السيروية بالمعنى التاريخي , ولماذا لا تكون كتابة سيروية روائية, تستفيد من السرد الفني لغة وتركيبا وتخيلا .؟ بحيث لا يبقى مجال كي يدعي البعض القدرة على استحضار الماضي..... وقد عبر الراوي عن تلك القناعة بلفظة قوية في دلالتها على النفي ,فجاءت يدعي بصيغة الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال , ومضمون الادعاء الأقرب في الذهن إلى الكذب, أما حين يقول : لا أستطيع حتى استحضار شكل إدريس....... فإنه يذهب أبعد من الشك والتشكيك , لكي لا ينفي فقط القدرة على استحضار الماضي كما يدعي البعض , وإنما يتجاوز ذلك إلى عدم استطاعتـه حتى استحضار شكل إدريس , ومن يكون في هذا المستوى من العجز حتى عن استحضار الشكل , لا يمكنه قطعا ادعاء استحضار المضمون وهو المادة الأساسية والحيوية لكل سيرة يفترض فيها أن تكون تاريخية , لذلك سيظل الراوي على امتدد المؤلف ,حذرا في قراءته وفهمه لأوراق إدريس ,مقتنعا أن كل كتابة عنه , يكون سندها ما تختزنه الذاكرة , تبقى موضوع مراجعة ونقد وتقييم يستفيد من أكثر من مصدر يحيل عليها أو تحال عليه

السياسية والفكرية المغرب

--------------------------------------

الريح الشتوية "مبارك ربيع"

القراءة التوجيهية

التعريف بالكاتب


ولد مبارك ربيع سنة 1935 في قرية ابن معاشو بضواحي مدينة الدار البيضاء، درس بالمدارس الكبرى خلال المرحلة الابتدائية و الثانوية ثم انخرط في سلك التدريس الابتدائي و الثانوي، حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة و علم النفس سنة 1975 من كلية الآداب في الرباط، في موضوع "آثار الأسرة و المجتمع في تكوين عواطف الأطفال الذكور"، عين على إثرها أستاذا في نفس الكلية. حصل على شهادة دكتوراه الدولة حول موضوع "مخاوف الأطفال و علاقاتها بالوسط الاجتماعي"، أسندت إليه مهمة قيدوم بكلية الآداب و العلوم الإنسانية ابن مسيك، له مجموعة من الأعمال الحكائية و الروائية نشير منها إلى "سيدنا قدر"، "دموع و دخان"، "الطيبـون"، "رفقة السـلاح و القمر"
 

التجربة القصصية
كانت بدايات مبارك ربيع شأن كل البدايات استهلت بمحاولات شعرية يغلب عليها الطابع الرومنسي لتتبلور بعد ذلك.

تحملت صفية زوجة الحمدوني عبء تربية الأبناء فاضطرت هي الأخرى إلى العمل في معمل السردين مما سبب لها معاناة كثيرة شأنها في ذلك شأن كبور و رفاقه في الكفاح الذين ساهموا في بناء حركة عمالية استطاعت أن تحقق مكاسب هامة كبناء المدرسة على سبيل المثالو من البديهي أن تتربص السلطة الاستعمارية بالوطنيين و ستشغل أعوانها و تسند إليهم القيام بالتشويش على نشاط الوطن أمثال: سعيد، عمارة البياع و أسفرت المواجهة على سجن كبور و غيره ثم نفيه إلى الصحراء، فاضطرت زوجته هي الأخرى إلى العمل في معمل السردينو إذا كان القسم الأول يعكس مواجهة فردية (الحمدوني و المستعمر) فإن القسم الثاني يشكل مواجهة جماعية من أجل التحرر و هو الاتجاه العام الذي يسجله رواية "الريح الشتوية

المرحلة التحليلية

1) منطق العلاقة بين القسمين:
رأينا في القسم الأول أن منطق الفردية هو المتحكم و تنتهي نتائجه إلى السلبية إذ يفشل الحمدوني في استرجاع أرضه بالقانون و يشبهه في ذلك المذكوري الذي أصيب بالجنون، و في مقابل ذلك نستخلص تركيز القسم الثاني على العمل الجماعي و الانتقال بالنضال من القوة إلى الفعل يقود الحمدوني الحدث فيتصدى للمستعمر. أما المرحلة الثانية فتبدأ بصفية من خلال العمل ثم تنخرط المرأة في المقاومة إلى جانب الرجل.
إن خضوع الريح الشتوية لهذا التقسيم يعكس في الحقيقة رؤية معينة لمفهوم المقاومة و النضال و كأن الكاتب أراد الاعتراض في القسم الأول على الطريقة التي سلكها الحمدوني فضمن القسم الثاني طـريقة جديدة أكثر فعالية هي العمل الجماعي بمعنـى آخر هنـاك قطيعة مع أسلـوب الحمـدوني و الاستمرارية في النضال بأساليب جديدة و يمكن أن ندرك هذه الوضعية من خلال مكونين تقوم الرواية عليهما:
أ‌- مبدأ الاستمرار:
و يقصد بذلك استمرار المواجهة بين المجتمع و الاستعمار، فاحتد الصـراع من أجل التحرر و إثبات الهوية، و يعني ذلك أن الرواية لا تقوم على البناء الحلقي حيث تخلق الأحداث بمجرد انتهائها كأنها مرتبطة بحياة رجلان بل اتجهت الرواية عند القسم الأول لمثلت هذا الخنوع، و بهذا كانت الرواية تعتمد البناء بالمراقي، فالأحداث بقيت مفتوحة لم تقف عند موت الحمدوني إذ أن هذا الأخير ترك وراءه مشكلة الأرض و الأبناء.
ب‌- مبدأ التحول:
و نعني بذلك غياب الاستمرارية في أسلوب المواجهة أو في طريقتها حيث اعتمد أسلوبا مغايرا يقوم على التكتل الجماعي
تم إلغاؤها و تحويلها من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي و هو ما يتمظهر بصفة عامة في الحركة الوطنية و ظهور التنظيم النقابي و الطبقة العمالية، و لفهم هذه المسألة نقدم التوضيح التالي:
- مات الحمدوني و برزت زوجته كطرف يدخل الصراع في إثبات الذات من خلال العمل أي برؤية مغايرة.
- مات الحمدوني و ظهر كبور مقاوما من طينة جديدة لا يدافع عن قضية شخصية و لكن عن وطن بأكمله في إطار التنظيم العمالي يتعرض للسجن و النفي و تسير زوجته في المسار العام لهذا التحرر.
- مات الحمدوني و عوض بالعالم و السي عبد الفتاح كأشكال نضالية تحمل رؤيا واضحة المعاني، و معنى ذلك كله أن وعيا جديدا حل محل الوعي السائد من قبل.

 

القضايا المطروحة في المؤلف

قضية الأرض

الأرض في رؤية الريح الشتوية محور العمل الروائي، فالاستيلاء عليها من طرف المحتل هو الذي كان وراء هجرة العربي الحمدوني إلى المدينة، و سعيه المتواصل لاسترجاعها هو ما مثل المبرر الموضوعي لنزوح المذكوري، فكلاهما ينظر إلى الأرض نظرة خاصة.
تحضر الأرض في العمل الروائي من خلال صورتين
- صورة خاصة: يحكمها إحساس ذاتي فردي بالامتلاك و هو ما نجده عند كل من العربي الحمدوني و المذكوري، فنظرتهما إلى الأرض نظرة ضيقة لا تتجاوز ما سلبه منهما المستعمر، سعى كل واحد منهما لاسترجاع الأرض لكن وقف عند حدود أفق مسدود. فكلاهما لجأ إلى خيار القوة في المرحلة الأولى و كلاهما إلى خيار القانون في المرحلة الثانية لكـن الأول يموت غـريبا عن أرضه و يجن الثاني و لم ينفذ حكم المحكمةو الأرض بالنسبة إليهما تمثل الوجود و تمثل مبرر البقاء، و هي كذلك كيـان ينبض بالحياة، و هي فوق كل هذا و ذاك قيمة تنقلت من أسر مادي، لذلك فإن العربي الحمدوني يرفض التعويض المقترح عليه مقابل أرضه و إن كان مغريا- صـورة عامة: يحكمها إحسـاس جماعـي لأن ما ضاع هو أوسـع من أرض العـربـي و المذكوري، إنها أرض الوطن و هو المفهوم الذي نبه إليه المحامي موهوب حينما تحدث عن أرض أوسع و أشمل و هو ما سعى العالم و عبد الفتاح و كبور و غيرهم من الوطنيين الذين كان لهم أمل كبير في تحريره و استرجاعه عبر قناة العمل السياسي

قضية الاستعمار و مظاهر اضطهاده و استغلاله

تقدم رواية الريح الشتوية صورا مختلفة للممارسة الاستعمارية التي طبعت الاحتلال الفرنسي بالمغرب، و يمكن إجمال هذه المظاهر فيما يلي
- مصادرة الأراضي الفلاحية و ذلك بالإكراه أو الحيلة أو التزوير- إلحاق كثير من المغاربة بصفوف الجيش الفرنسي قصد الدفاع عن المصالح الفرنسية في بقاع العالم.
- فرنسة التعليم بالمغرب و إخضاعه لمناهج التعليم الفرنسي و برامجه.
- الموقف من العمل النقابي، و كان ذلك من خلال طرد العمال أو شق صفوفهم لإحداث التفرقة أو بمنع العمل النقابي، و ربطه بالعمل النقابي الفرنسي.
- انتهاج سياسة التفرقة و تمثل ذلك في سعي الفرنسيين إلى ترحيل سكان الكاريان إلى جهات مختلفة سيدي مومن، ضواحي المحمدية.
- إضرام النار تخويفا و إرهابا و دفعا بالسكان لقبول الإقامة العامة.
- اعتقال الوطنيين و نفيهم (نفي كبور و رفاقه إلى الصحراء).
- تشويه صورة العمل الـوطني من خـلال تشويه صورة الوطنيين، فهم مجرمون و مفسدون و مشاغبون ينشرون الرعب و الفوضى.
- الإبادة الجماعية و القتل.

تجليات العمل الوطني و صوره في رواية الريح الشتوية


شهدت ساحة العمل الوطني مشاركة فئات مختلفة من أبناء الوطن و تنوعت تجلياته في الرواية لتتخذ صورا و مظاهر مختلفة كان أبرزها ما يلي
- إنشاء مدرسة الحي التي مثلت فضاءا تمت فيه تربية النشئ تربية وطنية، كان من نتائجها محاولات جلول ولد حدوم قتل عمارة البياع و قبله كتابة ابن صفية المناشير بإيعاز من عباس كما مثلت بديلا وطنيا لما سعى المستعمر لإقامته من مدارس.
- اللجوء إلى العمل الجماعي المنظم لتأطير الفعل النقابي و الاستعماري قصد مـواجهة المحتل و هو ما استدعى إبداع أشكال نضالية مختلفة مثل كتابة المناشير و عقد الاجتماعات.
- إعادة تفعيل الدين في نفوس المغاربة يمثل منطلق المـواجهة ضد الاستعمـار (دور العـالم و السي عبد الفتاح).
- تقليص كمية الإنتاج بالمعمل وسيلة من وسائل الضغط و شكل من أشكال المقاومة.
- التضامن الاجتماعي مع كل من لحقه ظلم المحتل من طرد أو إحراق.
- تنظيم حراسة ليلية تطوعية قصد إفشال أية عملية إحراق.

عوائق العمل الوطني في الرواية


قد اعترضت العمل الوطني عوائق عدة مثل الاستعمار بقواه و وسائله و إمكانياته العائق الموضوعي فيها أما العوائق الذاتية الأخرى فيمكن إجمالها فيما يلي
- الانهزامية و الخوف و التردد و هي سمات طبعت سلوك كثير من الأفراد.
- الخيانة: و قد جسد السلوك في الروايةبجسد سعيد أخو صفية الذي تحول من مقاوم في قريته إلى عنصر بياع و هو سلوك لم سثر الكبار بل أثار حتى الصغار الذين نعتوه و لقبوه راس الغول و عمارة البياع التي أحرقته حدوم زوجة بن الصغير بعدما قتل ابنها جلول.
- الفردية في التعامل مع القضايا يعكس ذلك سعي كل من العربي الحمدوني و المذكوري في حركتهما من أجل استرجاع الأرض كما يعكسها موقف بعض العمال.
 

الوعي الوطني و الديني في الرواية


إن المرجعية الوحيدة التي تقدمها الرواية مؤطرة بالفعل الوطني المقاوم للاحتلال الفرنسي هي المرجعية الإسلامية عمل على تجاية معالمها و إبراز حضورها في الوعي و السلـوك كـل من العالم و السي عبد الفتاح، العالم كان يظهر عمله من خلال الحلقة و المسجد و لقاءات البيوت عمل على جمع الناس و تحقيق التواصل بينهم و توحيد قوتهم و تنبيههم إلى ما يحاك ضد الوطن، و السي عبد الفتاح الذي أكمل ما بدأه العالم و فتح للوطنيين آفاق وعي جديد تمثل أساسا في المعمل من خلال تحريض العمال على الاضرابات و النقص في الإنتاج، كما تمثل في اتساع دائرة الحماس الوطني إلى الناشئة الذين أسهموا بدورهم تجاه الوطن بعدما احتضنتهم المدرسة و بذرت في نفوسهم الروح الوطنية

صورة المرأة في الريح الشتوية


تقدم الرواية عدة النماذج النسائية تقرب من خلالها طبيعة حضور المرأة في مغرب الأربعينات، فمن صفية زوجة العربي إلى عائشة العرجاء و حدوم و الغالية. و غيرهن من النماذج النسـائية كشف من خـلالها مبارك ربيع عن أنماط من الشخصيات تباينت في مـواقعها و مـواقفها و اختلفت من حيث تفاعلها مع الأحداث و المواقف، و يمكن التمييز في هذه النماذج بين نموذجين أساسيينأ‌- النموذج المقاوم: و تمثله صفية زوجة العربي و الغالية زوجة كبور، فكلتا المرأتين قاومت قساوة الحياة بعد وفاة العربي و نفي كبور، و كلتاهما لم تخضع لصوت الجسد و لا لإغراءات عائشة العرجاء رغم ضغط العسار المادي عليهما و يمثل موقفهما من سلوك سعيد و رفض صفية الذهاب معه لتعيش في بيته مظهرا من مظاهر عدم الرضا بما يقوم به سعيد و يتوج هذا الموقف المقاوم لقساوة الحياة و لهيمنة الاحتلال و ظلمه بإحراق حدوم لعمارة البياع. و قد نهجت المرأة في هذا المجال سبلا نضالية تمثلت أساسا في الصبر على ظروف الاحتلال و قساوة الحياة و العمل على مواجهة هذه الظروف بالتربية الوطنية و للأبناء ثم المشاركة في العمل الوطني

النموذج المستسلم

و تمثله عـائشة العرجاء، فرغم حالات الطيبوبة التي تعتريها بين الفينة و الأخرى فإنها تنهار في مواقع كثيرة منها تحويل بيتها إلى وكر من أوكار الدعارة إبان الحرب العالمية الثانية، و محاولة جلب حدوم بنت صفية بالرذيلة بدعوى تعليمها الخياطة.
بنات حدوم اللائي خضعن لغواية عائشة العرجاء و عاملات المعمل اللائي يرتقين بوسائل دنيئة. و بذلك تقدم الرواية شخصية المرأة في بعديها المتقابلين النموذج المقاوم المتعفف و النموذج المستسلم الساقط

الشخصيات في الرواية


لا يكتسب الحدث قيمته إلا بفعل حضور شخوص تسهم في بناء الحدث و بلورته و تناميه، قد استحضرت رواية الريح الشتوية شخوصا تنوعت مواقفها و مواقعها و اختلفت آراؤها، إذ منها الرئيسية التي مثلت محور الحدث و منها الثانوية التي أسهمت في إضاءة الحدث أو إضاءة جوانب من حياة الشخصيات الرئيسية أو حفزتها على نهج سلوك معين، كما أن هذه الشخصيات تقدم إضاءات لبعض مكونات الواقع الاجتماعي التاريخي، و هكذا نجد في المستوى الأول كلا من العربي الحمدوني و صفية و كبور و عبد الفتاح و موهوب، و نجد فـي المستـوى الثـاني كلا من عـائشة العرجاء، و الغالية، و أحمد المزابي و المذكوري و الحاكم الفرنسي.
يمكن الوقوف على شخصيات عابرة مثل: الترجمان و بذلك تكون الريح الشتوية قد قدمت نماذج مختلفة نشير منها إلى ما يلي
 

نموذج الشخصية الوطنية


انطلاقا من أن رواية الريح الشتوية تراهن على رصد حالة المواجهة بين المحتل و القوى الوطنية فإنها حفلت بمجموعة من النماذج الوطنية تفاوتت من حيث اختياراتها النضالية و مواقفها من قضية الأرض. و يمكن تحديد هذه الشخصيات و توزيعها وفق الصورة التالية

أ‌- النموذج المرتبط بالأرض ارتباطا ذاتيا


و قد مال هذا الاختيار إلى تحكيم الذات و الرؤيا الفردية المعزولة عن حلم الجماعة و يمثل هذا النموذج كل من العربي الحمدوني و المذكوري و بذلك فإن هذا النموذج يجسد الخيار الفردي الراغب في استخلاص ما أخذه المحتل عبر القوة أولا ثم عبر القانون ثانيا و هو خيار لم ينتهي إلا بالفشل و ذلك لفساد المنطلق

ب‌- النموذج المحرر الثائر


تسوق الرواية خاصة في القسـم الثاني منها بعض الشخصيات التي قـامت بوظيفة التحـرير و الثتوير و التنوير (العالم، و السي عبد الفتاح) الأول صاحب تكوين ديني حاز من المعارف الكثيرة التي أهلته لتأطير الجماعات الشعبية في الحلقات و المساجد و البيوت و ذلك قصد إيصال الفكرة إلى قلوبهم و عقولهم لينهضوا بالدور التاريخي المنوط بهم و تحكم العالم مرجعية دينية إسلامية مثلت الخلفية العقدية للحركة الوطنية.
أما عبد الفتاح فتتسم مرجعيته بالتنوع تجمع بين السياسة و الاقتصاد و الفلسفة صاحب رؤية متفتحة و طريقة متميزة في شد الانتباه إليه شاب وطني مفعم بالحماس فتح عيون الجماهير على ضرورة العمل الوطني و نبهها إلى وسائل نضالية جديدة مثل كتابة المناشير و المدرسة الحرة ثم العمل النقابي و النقص في الإنتاج

ت‌- النموذج النقابي المناضل


و تجسده في الرواية كبور أنشأ نواة من العمل النقابي لمعمل السكر مما مثل عاملا رئيسيا اتوحيد كلمة العمال و الضغط على الإدارة عبر تدني مجموعة من الصيغ النضالية منها التقليص من كمية الإنتاج مما دفع بالمسؤولين إلى فصله أو عزله من العمل لينشئ بعد ذلك خارج المعمل الإطار الخاص بالعمل الوطني، لاحقته قوى الاحتلال فسجن و نفي بعد ذلك إلى الصحراء، و قد عرف هذا النموذج نكرانه للذات و واقعيته في نضاله و صبره

ث‌- نموذج الشخصية المستبدة


و يحضر هذا النموذج من خلال الصور التالية


أ‌) نموذج المستغل: و يتمثل في مجمـوعة من الشخوص سيطـرت على القـرار السيـاسي و الاقتصادي في الوطن و من أولئك الحاكم الفرنسي monsieur Arno، و بذلك يتكامل عمل الطرفين مع، فمن امتلك سلطة القرار السياسي لعب دورا في تهجير البدو من قراهم ليسهل على الإقطاعيين من الفرنسيين أمر الاستيلاء على الأرض و ليسهل على أرباب المعامل في المدن من الفرنسيين الاستفادة من اليد العاملة الرخيصة

ب‌) النموذج الإقطاعي المغربي: لقد تحركت فئات الإقطاعيين و كبار الملاك المغاربة في فلك المستعمر فاستفادت هذه الفئة من سياسة التهجير التي مورست في حق الأهالي و بذلك سطا جزء منهم على أراضي المهاجرين مقابل تعاملهم مع قوى الاحتلال وضعتهم على مخازينهم و ممارساتهم المقدم ابراهيم 

ت‌) النموذج الخائن: و يحضر في الرواية كذلك من خلال الزعيم أخو صفية و عمـارة البياع و لقد سخر المحتل فئة عريضة من ضعاف النفوس استغل حاجتهم فجندهم لخدمته. علي انتقل من وضعية المناضل الذي واجه المحتل في القرية إلى الاشتغال بالسرقة و السوق السوداء بعدما انتقل إلى المدينة إلى مشغل بالمزبلة و السوق السوداء لينتهي إلى متعاون مع المستعمر و بذلك يكون قد خان ثراته النضالي و أحرقه. شخصية تتميز بالجرأة و الاحتيال و حب المال و الانتهازية، و بذلك فإن العلاقة بين النماذج يطبعها التقابل و الصراع كما يمكن التمييز في هذا الإطار بين الشخصيات المساعدة ساعدت إلى إرجاع الأرض بمعنى ضيق كما يفهمه العربي الحمدوني أو بمعناه العام (الوطن). من هذه الشخصيات المساعدة العالم و السي عبد الفتاح و المذكوري و المحامي موهوب، أما الشخصيات المعارضة التي حالت دون استرجاع الأرض (الحاكم، الأعوان، الخونة، أبناء السلطة).
أما القوى الفاعلة فيقصد منها كل المؤسسات التي ساهمت في تطوير الأحداث كمؤسسة الأحداث و فعل الهجرة و الأرض ثم الأحاسيس و المشاعر التي تمثل قوى فاعلة في تطوير أحداث الرواية مثلا، حب الوطن في مقابل كره الاستعمار إذن القوى الفاعلة في هذه الرواية هي كل الأطراف التي ساهمت في دورة الأحداث و تخليقها و نمائها. أما العلاقات في النص فهي الروابط التي تجمع بين الشخوص، و يمكن حصرها فيما يلي:
- علاقة القرابة: مثل التي جمعت بين صفية و سعيد.
- علاقة قبلية: تجمع بين شخصيات ينتمون إلى قبيلة واحدة، و قد كان هذا الشعور بالانتماء قويا خاصة بعد الهجرة إلا أنه يتلاشى هذا الإحساس لاختلاط فئات اجتماعية متنوعة و تنتظم في آصرة جديدة، قد جمعت العلاقة القبلية بين كل من العربي، كبور، صفية، غالم.
- علاقة الاستغلال: و يمثلها المستعمر و أرباب العمل.
- علاقة ابتزاز: و تظهر خاصة في علاقة المستعمر بالأهالي حينما سعى لابتزاز أرضهم بشتى الوسائل، و يظهـر ذلك فـي سعي الـرجال لابتزاز النسـاء كتلك التـي جمعت بين سعيد و المستعمر و هي نفس الشبكة السابقة.
- علاقة تضامن: كذلك نجد هذه العلاقة من خلال نماذج إيجابية يحكمها التضامن كالذي حدث بين سكان الكاريان عندما أحرقت براريكهم ثم كذلك تضامن العمال فيما بينهم داخل معمل السكر مع كل من تعرض للطرد.
- علاقة الكراهية: كتلك التي جمعت بين الاستعمار و المواطنين ثم بين الوطنيين و الخونة

المكان في رواية الريح الشتوية

تتعدد الفضاءات في رواية الريح الشتوية و تتنوع بتنوع حركة الشخصيات و يمكن التمييز في فضاءات الرواية بين مكانين أساسيين:
أ‌- القرية: هو فضاء شكل منطلق الهجرة كذلك فضاء النهب و السطو على الأراضي من قبل الحاكم و أعوانه، و هو مكان لعشق الأرض و التعلق بها و استرخاص النفس دفاعا عنها و هو فضاء التلاحم و التآزر الذي نقف عليه في المدن الكبيرة و هي موطن الجمال و هي الملجأ الذي هرع إليه الناس بعد الحرب العالمية الثانية.
ب‌- المدينة: و هي مدينة الدار البيضاء فضاء القرية و الاقتراب فضاء احتوى المهاجرين موزع بين براريك لا يحد البصر مساحتها، تشبه المستوطنات تظهر فيها مظاهر الأزمة إبان الحرب العالمية الثانية هي فضاء المعاناة و أفران معامل السكر التي تصهر أجساد العمال (المهاجرين).
- المعاناة المادية و المعنوية: السكن الغير اللائق –استغلال العمال –سوء التعامل معهم، و رغم ذلك فقد شكلت المدينة بؤرة تشكل الوعي الوطني الذي انطلـق من فضـاء العمـل النقـابي و السياسي ثم من خـلال طبيعة العلاقة التي تجمع السكان (علاقة الغربة و علاقة المصلحة) و قد كان نمط الارتباط بين السكان داخل المدينة امتدادا لطبيعة العلاقة السابقة.
- داخل فضاء المدينة تتواجد فضاءات جزئية نقتصر منها على ما يلي
 

فضاء الكاريان: فضاء اجتماع المهاجرين أغلبهم يشتغلون بمعمل السكر و معمل السردين، مما هيأ له أن يشكل قاعدة عمالية انطلق منها العمل النقابي و السياسي سعت قوى الاحتلال لتشتيت ساكنته عبر إضرام النار أو الترحيل أو عبر التقتيل.

فضاء المدرسة: فضاء أنشئ داخل الكاريان بمبادرة من السي عبد الفتاح أنشأت هذه المؤسسة على غرار المؤسسات الحكومية التي تصرف البرامج الفرنسية و في هذه المؤسسة تشكل الوعي العربي الإسلامي لقيمة الوطن و هي الفضاء الذي كان يتجمع فيه الوطنيون.
المعامل: فضاء انتهاك العربي الحمدوني و هو باختصار تعدد أوجه الاستغلال، و هو فضاء نشوء العمل النقابي الذي سيربط بالعمل السياسي.
فضاء المعمل هو فضاء التحقت به صفية بعد وفاة العربي الحمدوني و الغالية بعد نفي كبور.
فضاء المحكمة: فضاء لم يتحقق فيه مبدأ العدل و المساواة فضاء لم يحقق طموحات المظلومين، فضاء تم فيه الحكم على المواطنين باعتبارهم مجرمين أو فوضويين إضافة إلى ذلك هناك فضاءات كثيرة تندرج تحت فضاء (ابن مسيك، درب غلف، القريعة، درب السلطان، المدينة القديمة...).
 

الزمن في رواية الريح الشتوية

يمكن التمييز في زمن الرواية بين ثلاثة أزمنة هي


أ- الزمن المرجعي

و هو الزمن الخارجي الذي يؤطر أحداث الرواية، و لا تشير الرواية إلى ما يمكن القارئ من تحديد هذا الإطار التاريخي بدقة و ذلك من خلال تحديد السنوات مثلا، و لكن يمكن إدراك هذا المستوى الزمني انطلاقا من إشارات متفرقة عبر الرواية مثل الحرب العالمية الثانية و دخول الأمركيين إلى المغرب، نهاية الحرب العالمية، و لا يتوقف الإطار الزمني المرجعي عند هذا الحد بل امتد إلى ما بعد 1945، و هو الزمن الذي يمثل بداية العمل الوطني
م1 م2 م3 م4 م5
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
سلب الأرض الهجرة العمل في المعمل موت العربي الحمدوني نشوء الوعي الوطني

التراخي و التباطؤ


من سمات الزمن السردي أنه زمن بطيء و هي سمة تطبع جل الأعمال الروائية لمبارك ربيع، ترتبط هذه السمة أساسا بتمطيط الكاتب للأحداث

و هو الأمر الذي يمكن تجاوزه إذا ما اختزلت الرواية في فصول محددة

.
الانقطاع


فالزمن السردي لا يسير في حركة خطية واحدة بل إنه غالبا ما يقطع و ذلك إلغاء للملل الذي قد يصيب القارئ بفعل توالي الأحداث وفق تناسق تتابعي، و هكذا لتدخل أدوات سردية مختلفة لتكسير خطية زمن السرد، و ذلك مثل الوصف و الاسترجاع و الاستباق

ج‌- الزمن النفسي


و يمكن التمييز فيه بين محطتين زمنيتين و هما على التوالي
- الزمن الانتظار: و من أمثلة ذلكانتظار العربي الحمدوني.
انتظار المذكوري أن ينفذ الحكم لصالحه.
انتظار الوطنيين استقلالهم.
هذه النماذج من الانتظار السلبي كان لها وقعا نفسيا سيئا لدى الشخوص.
- زمن العودة: و هو زمن الحلم الذي يسكن شخصيات من أمثال: العربي الحمدوني و المزابي و كبور العودة إلى الفضاء الأم.
الرؤية السردية هي رؤية من الخلف ذلك أن السارد ملم لكل أحداث العمل الحكائي و بتفاصيله و جزئياته، كما أنه على علم بالتحولات النفسية الدفينة التي تعتمد داخل ذواتي شخوص الرواية.
و يلجأ مبارك ربيع إلى تقنية التناوب السردي، فتارة يكـون السـارد محـايدا ينقل الأخبـار و الأحداث و يتعقب التحولات النفسية العميقة للشخصيات، و تارة يكون مجسدا لصوت المستعمر. إضافة إلى السرد المباشر يتم اللجوء إلى تقنيات سردية غير مباشرة منها:
 

أ) الحوار بنوعيه


- التواصل بين الشخصيات.
- العمل على تنمية البنية الحكائية.
- تشخيص أحوال الشخصيات و مواقعها، فالحوار يكشف في الرواية عن مواقف الشخصيات المختلفة.
و يتسم الحوار في الرواية بالقصر لأن السياق العام للرواية هو سياق توثر و صراع و من ثم جاءت الحوارات الخارجية مختزلة و قصيرة، أما بالنسبة للحوار الداخلي الذي تجريه الشخصية مع ذاتها وظيفته الأساسية هي الكشف عن خبـايا النفس و ما يتفـاعل داخل كـل شخصية من نـوازع و ميولات

ب) الوصف


لقد تركز الوصف على المكان (كاريان سنطرال) و كذلك الشخصيات إلى ذلك من خلال وصف شخصية عائشة العرجاء و شخصية سعيد

ج) الاسترجاع


و هو تقنية سردية يتم اللجوء إليها خاصة لتكسير خطية الزمن السردي و لدفع الملل عن المتلقي

د) الاستباق

و هو استحضار احتمالات حديثة قد تقع مستقبلا خارج حدوث زمن السرد

- الرمز: و يمثل بدوره وسيلة من الوسائل التي تمنح اللغة إيحائيتها، من أمثلة ذلك: الحديث عن الكرمة التي نشب عنها الصراع مع المكلف و كان سببا في هجرة العربي الحمدوني و سعيد إلى المدينة.
- أنماط أسلوبية: تضم الرواية مجموعة من النصوص الأدبية و الشبه أدبية التي تفاعلت مع النص الأصلي و ناهضت بوظيفة أساسية هي خلق المغايرة و التنوع داخل الخطاب الروائي، و من هذه الأشكال نذكرأ‌) الرسالة: رسالة المقدم ابراهيم إلى العربي الحمدوني ثم رسالة موهوب إلى العربي الحمدون

ب‌) الشعر العامي أو الزجل: الأغنية التي ترددت في صفحات 30، 31، 33، 42

ت‌) الأمثال: كثيرا ما كان مبارك ربيع يضمن متنه أمثالا ترتبط بالسياق و بالدلالة، من أمثال ذلك "ما دوم شدة مايدوم رخا"، "ما في الهم غير اللي يفهم"، الحاجة اللي ما تشبه مولاها حرام"، و هي أمثال في مجملها مستحاة من الذاكرة الشعبية المغربية. تحضر الحوارات الخارجية خاصة قصد تدعيم آراء الشخصيات و مواقفها

ث‌) الأساطير: يوظفها مبارك ربيع في محطتين اثنتين هما على التوالي: أساطير أجنبية ثم أساطير عربية مثلا راس الغول الذي قتله السيد

علي، و هو توظيف ذكي من الكاتب للأسطورة الشعبية

ج‌) القرآن الكريم: و يتحقق التواصل معه بخلق المغايرة و التنوع داخل الخطاب الروائي عبر مجموعة من الاستعمالاتتلك هي الأنماط الأسلوبية التي حضرت في الرواية و خلقت تنويعا داخل النص، فانطلاقا من هذه الدراسة للرواية يتبين أنها تحركت بالاتجاه الذي حقق للنص ما يعرف بالتناوب الحكائي

ما هي الوظائف التي يحققها التناوب الحكائي في رواية الريح الشتوية ؟
فالاتجاه الأول اتجاه حكاية العربي الحمدوني و ما حدث له حتى نهايته، و هو اتجاه يقدم الحل الفردي و يسعى لتجاوزه و قد اتسم تعامل الكاتب مع هذا المستوى الحكائي بالواقعية.
أما الاتجاه الثاني فهو مسار المقاومة الوطنية رصدها الكاتب منذ مراحلها الجنينية إلى طور التكوين و النضج (كتابة المناشير، التجمعات، تأسيس المدرسة الحرة) و التركيز على هذا الجانب هو ما دفع النقاد إلى وسم رواية الريح الشتوية بسمة الرواية التاريخية التسجيلية، إلا أنه ينبغي التنبيه إلى أن مفهوم التاريخية لم يحضر بشكل حرفي إنها تجمع في تعاطيها و تعاملها مع الـواقع بين التوثيـق و التصرف الإبداعي القائم على التخييل.
 

مـؤلــف * أوراق * لعبد الله العـروي 5

إذا انتقلنا إلى صوت المؤلف في أوراق ,من خلال المقدمة الصريحة في الإعلان عن البعد المستهدف من التأليف ,فإننا سنجد عبد الله العروي , واضح الرؤية في اختياره الرافض لكتابة سيرة يمكن أن تدعي صدقيتها وموضوعيتها ,بل تؤشر أكثر من عبارة على ضرورة الانتقال بالمفهوم الأدبي للسيرة من المستوى التاريخي الأحادي المصدر , إلى المستوى الفني , المتعدد الأصوات والمتنوع الأدوات التعبيرية .
كل واحد من الصديقين يقرأ الأوراق ويفهمها حسب تكوينه الذهني واختياره العقائدي..... لعل أول ما يلفت النظر في هذه العبارة , وجود كل من شعيب والراوي في مستوى واحد من الصداقة بالنسبة للارتباط بإدريس , ونلمس ذلك في * أوراق * من خلال تكامل معرفتيهما به , بحيث يمثل شعيب مرحلة الطفولة المرتبطة بمكان النشأة الأولى في *الصديقية* بين البيت والمدرسة والحي , بينما يمثل الراوي مرحلة التكوين التي استغرقتها سنوات التعلم في الداخل والخارج , قبل أن تفرق بينهما الحياة ...وكلاهما يقرأ الأوراق ويفهمها , لكن على أساس الاختلاف العائد إلى طبيعة التكوين الذهني من جهة والاختيار العقائدي من جهة أخرى , مما يجعل إمكانية الاتصال بينهما حول قراءة واحدة أمرا مستبعدا, وهو ما يفتح باب الاجتهاد في التأويل لإنتاج سيرة ثانية وثالثة ورابعة .. على هامش الورقات التي خلفها إدريس ..... انطلاقا من خصوصيات المستقبل الذهنية والعقائدية.......
وإذا كان التكوين في دلالاته العامة, يحيلنا على الحصيلة الفكرية والعقلية والتجربة الحياتية التي خبرها كل واحد منهما, فشكلت قاعدة رؤيته للذات والعالم , فإن الاختيار العقدي سيحيلنا,على مستوى الانتماء المذهبي لحزب أو جماعة أو تيار إديواوجي,كما يحيلنا على مستوى الاعتقاد الديني ودرجة الولاء في التطبيق للتعاليم في أصولها أو تأويلاتها, ويشكل كل منهما رافدا ديناميكيا له دوره في القراءة والتقييم في الحاضر , إلا أن غيابهما بدرجات متفاوتة الماضي , أثناء معايشة إدريس , يضعف من قيمتهما , على أساس أن كتابة سيرة لإدريس الآن , تتأثر إلى حد بعيد ,بمتغيرات الوعي وتحولات المسار المعيشي , بل ربما كانت ضحية إسقاطات للواقع على التاريخ ..... والعروي بهذا التحديد لزاوية القراءة المحتملة , والمتعددة المستويات , إما على خلفية التكوين الذهني أو الاختيار العقائدي , يصلنا بما دافع عنه الراوي منذ البداية , حين رفض مسايرة شعيب في تحميله مسؤولية كتابة سيرة لإدريس من خلال ورقاته , مما جعل البعض يذهب إلى التوازي بين الراوي والمؤلف على امتداد الفصول .
وسيحدد العروي موقفه , بإرجاع الحكم إلى القارئ الذي عليه أن يفصل في النهاية , * للقارئ أن يفصل* بحيث يؤول القول في تقدير القيمة التوثيقية للورقات , وما يتصل بها من قراءات شعيب أو تأويلات الراوي , للقارئ الذي لا يجب أن ينساق لمصادرهم , ما دامت عرضة لآثار التكوين الذهني أو الاختيار العقائدي .... وهنا نعود إلى نوعية الكتابة التي راهن عليها العروي في مؤلفه أوراق , باعتبارها تتجاوز السيرة بمفهومها التاريخي من جهة, لاستحالتها عمليا من خلال ما فصله من مبررات, وباعتبارها تستجيب لضرورة تجاوز الإطار الذي تتشكل فيه تلك السيرة من جهة أخرى.... بحيث يصبح هامش الحرية في التخيل العاقل , محركا حيويا للقوى الفاعلة في البحث عن الصيغة المناسبة للاحتفال بأربعينية إدريس , ما دام كل من شعيب و الراوي والورقات , يقدم الصورة التي تختزنها الذاكرة عن الماضي , من منظور اللحظة المعيشة في الحاضر ..... ولا يمكن لأي منهم أن يدعي تلك القدرة, على الوفاء لإدريس بالحقيقة المطلقة اليقينية ..... الأبسط هو فتح الطريق إلى الاستماع. .... وهم مطلب يطال الكل , من شعيب والراوي إلى إدريس والقارئ , لأننا قد نصبح أمام الأعقد , وهو غلق طريق الاستماع , بما يمكن أن يترتب عنه من إعادة إنتاج القراءة الأحادية للواقع , واستعادة الولاء لسلطة الفكر المطلق .........
لقد اختار العروي كتابة تركيبية للتاريخ الفردي المؤطر تقليديا ضمن السيرة , فاستند إلى الواقع منظورا إليه من زوايا أو مرايا مختلفة , ليعيد خلق تلك السيرة بشكل فني يستفيد من تقنيات السرد قصة ورواية

(1) ولد عبد الله العـروي سنة 1933 , سافر إلى باريس لمواصلة التحصيل العالي بمعهد الدراسات السياسية وكلية الآداب بجامعة باريس سمنة 1956 , لكن الاتجاه إلى البحث التاريخي, سوف يستغرقه للوصول إلى تتويج دراسته العليا بدكتوراه الدولة في التاريخ سنة 1976.ويعتبر العروي أكثر المفكرين صمتا إن لم يكن تحفظا, اتجاه العديد من القضايا المطروحة.
(2) كتب إلى حد الآن بين الفكر والتاريخ والفلسفة والأدب على الترتيب الزمني:
• * الإيديولوجية العربية المعاصرة 1970
الغربة 1972.
• العرب و الفكر التاريخي 1973
• أزمة المثقفين العرب 1974
أصول الوطنية المغربية 1977
اليتيم 1978
• مفهوم الإيديولوجية 1980
مفهوم الحرية 1981 مفهوم الدولة 1981
• ثقافتنا في ضوء التاريخ 1983
التاريخ : مجمل تاريخ العرب 1984

الفريق 1986
• أوراق 1989
• مقاربات تاريخية 1992
خواطر الصباح 2003
(3) ترد هذه العبارات في المقدمة التي أخذت ثلاث صفحات, لذلك لا حاجة إلى تبويبها مرقمة ضمن الهوامش
* صدر باسمه مؤخرا كتاب :* المغرب والحسن الثاني*, وهو مجموعة كتابات متفرقة في الزمان والمكان, جمعتها *نادية زيان*, لترجمة الأفكار التي عبر عنها عبد الله العروي , حول مختلف القضايا ذات الصلة بالتحولات التي تعرفها الساحة