المجزوءة الأولى: الإنـــــســــان

الوعي واللاوعي

تقديم:

          تختلف مدلولات الوعي من مجال إلى آخر، ومن فيلسوف إلى آخر، فمنهم من يقرنه باليقظة في مقابل الغيبوبة أو النوم. ومنهم من يقرنه بالشعور فيشير إلى جميع العمليات السيكولوجية الشعورية. ويمكن أن نجمل الدلالة العامة للوعي فيما يلي: إنه ممارسة نشاط معين ( فكري، تخيلي، يدوي...الخ)، وإدراك تلك الممارسة. و يمكن تصنيف الوعي إلى أربعة أصناف وهي:

1) الوعي العفوي التلقائي:  إنه ذلك النوع من الوعي الذي يكون أساس قيامنا بنشاط معين، دون أن يتطلب منا مجهودا ذهنيا كبيرا، بحيث لا يمنعنا من مزاولة أي نشاط آخر.

2) الوعي التأملي: إنه وعي يتطلب حضورا ذهنيا قويا مرتكزا في ذلك على قدرات عقلية كلية كالذكاء أو الإدراك أو الذاكرة.

3) الوعي الحدسي: وهو الوعي المباشر و الفجائي الذي يجعلنا ندرك الأشياء أو العلاقات، أو المعرفة، دون أن نكون قادرين على الإدلاء بدليل أو استدلال.

4) الوعي المعياري الأخلاقي: وهو الذي يسمح لنا بإصدار أحكام قيمة على الأشياء والسلوكيات بحيث نرفضهما أو نقبلهما بناءا على قناعات أخلاقية، وغالبا ما يرتبط هذا الوعي بمدى شعورنا بالمسؤولية اتجاه أنفسنا و اتجاه الآخرين.

        و على هذا الأساس فالوعي هو إدراكنا للواقع و الأشياء، إذ بدونه يستحيل معرفة أي شيء. لذلك يمكن وصف الوعي بأنه « الحدس الحاصل للفكر بخصوص حالاته و أفعاله». فهو بمثابة  "النور" الذي يكشف للذات عن بواطنها.

أما اللاوعي فهو يدل إلى حد ما على مقابل الوعي. و هنا يمكن الحديث عن اللاشعور باعتبار السلوك اللاواعي أو الذي يصبح "واقعة نفسية".

انطلاقا من هذا التصنيف الدلالي لمفهوم الوعي نطرح التساؤلات التالية:

ما هو الوعي؟ ما شكله؟ هل هو وعي بسيط و مباشر؟ أم غير ذلك؟ ما مضمونه الأول؟ ماذا أدرك في فعل الوعي على وجه الدقة و التحديد؟ ثم ما علاقة الوعي باللاوعي؟ و هل يكفي أن نكون على وعي لمعرفة أنفسنا؟ هل الوعي هو أساس  حياتنا الواقعية؟ أو الوهم هو الأصل؟.

   مشكلة الوعي:

موقف راسل:

       حلل برتراند راسل عن الوعي وربطه بالمدركات الحسية أو الخبرات الحسية حيث أكد على ضرورة عدم فصله  (أي الوعي) عن مثيرات العالم الخارجي فهو عبارة عن ردود أفعال اتجاه وسطه. هذا يعني أن الوعي طاقة تميز الإنسان عن الجمادات. و من ثم فإن راسل أكد على تلازم الوعي مع حالة اليقظة، و ليس مع حالة النوم أي أنه غير مستمر في الزمن. وأكد كذلك على ضرورة الانتباه إلى عامل اللغة لأنها، في نظره، جهاز و نظام غير منسق. وهنا نجده يميز بين نوعين من اللغة : لغة مرشدة تمكن من فهم طبيعة العالم الذي نتحدث عنه، ولغة مظللة وخداعة للتفكير. ومن ثمة فإن كثيرا من الفلاسفة الذين اعتمدوا عليها ظلوا وأظلوا.

إن الوعي بالذات عند راسل يعني أمرين هما : دخول هذا الإنسان في علاقة مع العالم الخارجي، واكتشافه لذاته ولأفكاره و لعواطفه. أي أن هناك امتحانا للإنسان بإدراك وجوده الذاتي. وهنا يكمن مفهوم الوعي عند راسل و يتجلى. فعندما ندرك معطيات العالم الخارجي فإننا نكون، حسب راسل، فقط في مجال ردود الفعل اتجاه العالم، ونشترك في هذه الخاصية مع الجمادات. هذا يدل على أن الوعي لا يتحدد عند مستوى إدراك العالم الخارجي بل هو فقط رد فعل على النحو الذي تِؤذيه الحجارة و الجمادات عموما.

يرى راسل أنه يستحيل إدراك المادة إدراكا مباشرا، و أن لها وجودا واقعيا ملموسا. و يؤكد راسل على المعرفة القائمة على التجربة وعلى الحواس وعلى إدراك الكليات إدراكا فوريا ومباشرا. وهو في الوقت نفسه يؤكد على التمييز بين الذات الواعية و الموضوع. وعلى سبيل المثال لا الحصر إننا لا ندرك مدينة الرباط و مراكش إدراكا جزئيا ، بل إننا ندركهما في إطار العلاقة الخارجية القائمة بينهما، و هذه العلاقة ليست من طبيعة نفسية صادرة عن الذات العارفة، ولكنها مستقلة عنها، تنشأ بطبيعتها في معزل عن فعل المعرفة في حد ذاتها.

مما سبق يتبين لنا أن الجزء الأساسي من مفهوم الوعي مرتبط بمدى إدراكنا للوجود الذاتي. و تحصل هذه العملية بواسطة الاستبطان، مما يدل على  أن الاستبطان منهج يسمح و يمكن من ولوج العالم الداخلي في الإنسان وفهم علاقة الذات الواعية بمحيطها الخارجي، أي أنه في هذه الحالة لا يتعلق الأمر بشيء من بين أشياء العالم و الجمادات بل بذات لها طبيعتها الخاصة بها. و من ثمة فالشرط الأساسي لقيام الوعي و كل معرفة حسب راسل هو إدراك الوجود الذاتي للإنسان عن طريق الاستبطان، لأن الوعي ميزة خاصة بالإنسان، وليست فقط مجرد رد فعل اتجاه العالم الخارجي أو أنه فقط إدراك حسي له .

موقف برجسون

إذا كان راسل يجمع بين لفظ الوعي وحالة اليقظة متجاهلا حالة النوم، فإن برجسون يتجاوز هذا الطرح ليؤكد على صيرورة الوعي في الزمن، ليشير به إلى جميع العمليات السيكولوجية الشعورية. فالوعي أو الفكر عند برجسون ذو طبيعة مجردة أي أنه غير ملموس ويرفض أن يقترن بأي طابع نسبي أو ذاتي، حيث أنه دائم الحضور في حياة كل إنسان، لا يقبل القسمة إلى لحظات شعورية مرتبة بشيء ما، أو موقف معين، بحيث تتدفق و تنساب عبر الزمن حتى يصعب التمييز بين لحظاته. إنه إدراك الذات وللأشياء في ديمومتها و استمراريتها. أما تعريف الوعي بشكل واضح ونهائي فإنه يطرح صعوبة كبرى أدت ببرجسون إلى ربط الوعي بالذاكرة التي تحفظ ماضي الإنسان في الحاضر. إن الوعي أيضا قدرة على تجاوز الحاضر عقليا وتمثل صورة المستقبل.فالإنسان الذي لا ذاكرة لديه لاوعي له، لذلك فشرط وجود الوعي هو وجود الذاكرة و استقراره بها، ليصبح انفتاحا على الحاضر و الماضي و المستقبل. فعندما نفكر في أي لحظة معينة فإننا نجد هذا الفكر يهتم بالحاضر و بما هو كائن، لكن من أجل تجاوز ما سوف يكون في المستقبل و هذا يعني أنه لا يوجد وعي عند  برجسون دون مراعاة حياة المستقبل. فالمستقبل هو الذي يجعل الفكر يتقدم باستمرار دون انقطاع في الزمن و يجره إليه. لفهم  طرح برجسون بصدد تعريف مفهوم الوعي نستحضر أنه ينتمي إلى فلسفة الحياة  والصيرورة و الحركة، و نؤكد  على مجالين هامين في فلسفته عموما : مجال المادة المتميزة الصلبة، و مجال الحياة والوعي المتواصل، وهذا يقع في نطاق الحدس فعن طريقه يمكن إثبات الحقيقة متجسدة في الصيرورة و ليست مجرد الحياة والوعي.

موقف ابن رشد   

    أما إبن رشد فقد تناول مفهوم الوعي في علاقته بالعالم الخارجي وطرح السؤال: هل الحس شرط لقيام الوعي بموضوعات العالم؟ يرى ابن رشد على نحو معلمه أرسطو أن الإدراك الحسي شرط أولي و أساسي لقيام كل معرفة ووعي بموضوعات العالم الخارجي، على خلاف راسل الذي يعتمد منهج الاستبطان بدل منهج الاستقراء في إدراك العالم الداخلي.  و لكن هل الإدراك الحسي بالمعنى الذي تقدم به ابن رشد  هو الشرط الكافي و الأولى لقيام كل معرفة و كل وعي بموضوعات العالم الخارجي؟.

موقف ميرلوبونتيي   

     للإجابة على هذا التساؤل، ينطلق موريس ميرلوبونتيي من فينومينولوجيا الإدراك الحسي ليصل إلى فينومينولوجيا الوعي و الخبرة، لأجل الكشف عن الطابع المفتوح للخبرة البشرية بصفة عامة. و يقصد بالإدراك الحسي تلك العودة إلى الأشياء و الرجوع إلى المعرفة الأولية عن كل علم من أجل الوصف وليس من أجل التركيب. و يتساءل : هل تعني العالم الخارجي؟  ويقول إن العالم ليس بمثابة الموضوع الذي يمثل أمام الذات الواعية، إن هذه الذات ليست لها القدرة على تملكه. و لكنه الوسط الطبيعي أو المجال الأولي الذي تتحقق فيه إدراكاتنا الحسية لعالم و جل أفكارنا. إن الوعي الإنساني حسب ميرلوبونتي يدخل في علاقة مشاركة مع العالم الخارجي، فيه تتحقق الإدراكات الحسية التي يمكن اعتبارها شرط أساسي لقيام الوعي بهذا العالم.

الــــوعـي واللاوعـي:

موقف مدرسة التحليل النفسي:

       إن اللاشعور، أو اللاوعي، حسب مدرسة التحليل النفسي، هو أهم منطقة سيكولوجية نستطيع بموجبها أن نفهم سلوكاتنا سواء منها السوية أو الشاذة . ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول بأن الشخصية في تصور فرويد بمثابة " جبل الجليد " :أي أن ما هو خفي أضخم بكثير مما يظهر . فكيف يتشكل اللاشعور ؟

يعتقد فرويد أن بناء شخصيتنا يتكون من ثلاثة مكونات ، العلاقة فيما بينها هي الكفيلة بتفسير حياتنا النفسية . وهذه المكونات هي:

·  الهو : وهو نسق سيكولوجي يتألف من المكونات الغريزية والدوافع والانفعالات الموروثة . ويتمركز الهو حول مبدأ اللذة أو ما يصطلح فرويد على تسميته بنزعة الليبيدو. لأن همه الأساسي هو الحصول على اللذة ودفع الألم، حيث لا يعرف معنى التأجيل. ومن خصائص الهو أنه بعيد عن المنطق والعقل لكونه يتصف بالتهور والاندفاع، ولا يتمثل السيرورات المنطقية والأخلاقية … إلخ.

·  الأنا: وهو الجزء من الهو الذي تلاءم مع الواقع . و هو النظام السيكولوجي الذي يتصف - على عكس الهو - بالتعقل والرزانة والحكمة. ومن ثمة، فإنه يتمركز حول مبدأ الواقع ، وهمه الأساسي هو تلبية رغبات الهو بشكل يتلاءم مع الواقع ولا يثير غضب الأنا الأعلى .

·  الأنا الأعلى : وهو النظام النفسي الذي يمثل جميع القيم الأخلاقية والعادات الاجتماعية.ويتشكل الأنا الأعلى بفعل الأوامر والنواهي ( التربية ) ؛ ومنه نستوحي ما ينبغي وما لا ينبغي القيام به . وهو ما يماثل في حياتنا النفسية مفهوم المثالية الأخلاقية، وما يقابل في الاصطلاح الأخلاقي العادي مفهوم الضمير .

إن الأنا إذن يوجد في بؤرة الصراع بين ضغط الهو، ورغبات الواقع، ومتطلبات الأنا الأعلى . ومن هذا المنطلق نفهم لماذا تقرن الفرويدية الشخصية السوية بقوة الأنا.. فالرغبات التي لن يستطيع الأنا تلبيتها فإنه يعمل على كبحها ثم كبتها في اللاشعور. هكذا يتشكل اللاشعور ويتضخم. ولكي يتشكل الأنا بصورة جيدة لابد من إحاطة الطفل بتربية واعية وتفهم واضح لمراحل النمو الجنسي لديه ( المرحلة الفمية ، المرحلة الشرجية، المرحلة القضيبية، مرحلة الكمون، المرحلة التناسلية )، والعمل على كبت العقدة الأوديبية بطريقة سليمة. هكذا نستطيع القول بأن الأنا يوجد كذلك تحت ضغط مكبوتات اللاشعور لأنها تظل يقظة، وتتحين الفرص التي تضعف فيها رقابة الأنا لتخرج إلى السطح. والمرض النفسي (اضطرابات الشخصية) عبارة عن تدفق مكبوتات اللاشعور، وتصريف مفضوح لرغبات الهو... وحتى لاتصل الشخصية إلى هذه المرحلة الحرجة، فإنها تلجأ (للتخفيف من حدة التوتر النفسي) إلى ميكانيزمات دفاعية (مثل الكبت، والتبرير، والتقمص، والإسقاط، والنكوص، والإعلاء...الخ) . كما أن التحليل النفسي يعتبر في حد ذاته منهجا علاجيا، وإعادة تربية.  ويعتمد التحليل النفسي، من أجل سبر أغوار اللاشعور، على عدة طرق، أهمها : التنويم المغناطيسي، والتداعي الحر، وتحليل وتأويل تجليات اللاشعور (الأحلام، فلتات اللسان، زلات الأقلام، النسيان ...الخ)

إن نظرية فرويد في اللاّوعي تميز بين فِعْلِيَّةِ السّلوك، وحقيقة السّلوك. ففعليّة السّلوك تعني الأفعال والأعمال الّتي يقوم بها الفرد، بما هي أفعال وأعمال خامّ وظاهرة. أمّا المُرَادُ بحقيقة السّلوك، فهو المدلول أو المعنى الحقيقيّ له، أي العلّة المتخفّية وغير الظّاهرة فيه. فأنا، مثلا، قد أقوم بعمل ما، كأن أسرق كتابا من على رفّ المكتبة : وهذا الفعل فعلي، من دون شكّ، وسلوكي، إلاّ أنّ حقيقته وما قد يُفَسِّرُ مثل ذلك العملالذي قمت به ليست فحسب تلك الظّاهرة بل شيء آخر، أحقّ وأكثر فعليّة، وهو "الهُوَ". فأنا هو الّذي، بلا شكّ قد سرق الكتاب لكن فعل السّرقة ذاك، إنّما هو في حقيقته صورة متفرّعة من فعل معاقبة الذّات. فنظريّة فرويد ترى بأنّ " الذّات ليست وعيا فقط "، وإنّما هي " وعي وهُوَ "، أي أنها وعيان اثنان (وعي أول ووعي آخر) ؛ الوعي الأوّل يكون غير واع بالوعي الآخر، مع انّه هو الأصل فيه !!؟

موقف هوسرل

           تقوم نظرية الوعي عند هوسرل على الابتعاد عن التجريبية والروح السيكولوجية التي تفسر الأحداث التاريخية، وتتوقف عند العمليات العقلية، لتكشف مركبات الوعي ذاته، والظواهر نفسها. يرى هوسرل أن المعنى يسبق اللغة وهي نشاط ثانوي يسمي المعاني التي بحوزتنا. وهكذا كانت نظرة هوسرل للوعي ماهوية تعتبر أن العالم ليس سوى شيء يمكن إذابته وتحويله إلى صورة ذهنية. تخيل هوسرل موقعاً متسيداً للذات المبهمة، التي تطبع صورتها على العالم. ورجح كفة الذات على حضور العالم. و قد وصفت هذه النظرية، من طرف خصوم هوسرل، بكونها شكلا من أشكال الوعي البورجوازي.

موقف لاكان

إن الهيئات النفسية التي يضعها فرويد: الأنا الأعلى، والأنا والهو تجد نفسها داخلة في علاقة تجعل التشبيه المكاني المتضمن فيها يختفي. فالأنا الأعلى يصبح هو الرمزي Le symbolique، مجال النظام والقانون، ومكان الخطاب الأبوي (وبذلك ينخرط التحليل النفسي في الانتروبولوجيا: إذ أن الرمزي هو نظام الثقافة بالمعنى الاتنولوجي)؛ والأنا يصبح هو المتخيل L’imaginaire، مكان الوهم، والحقيقة، والتغير، والملاحق التجميلية للذات التي هي ملاحق متحركة وهشة. والهو ليس له مكان إلا مجازا فهو المكان الذي ليس له مكان وهو العلة الغائبة للبنية، ويطلق عليه لاكان اسم الواقع Le réel؛ وإنتاجه يقع على مستوى موضوعات الرغبة. وموضوعات الرغبة، بالنسبة لفرويد، موضوعات متعددة، لكنها تابعة لعلاقة أساسية تحكم كل علاقة مع أي موضوع يدعوها لاكان العلاقة بالموضوع. ويذهب لاكان بعيدا في إضفاء صبغة نسقية على الموضوع: فهو يطلق اسم "الموضوع أ الصغيرة" على الموضوع النوعي العام لكل موضوعات الرغبة: الجزئي والمنفصل، والمهمل؛ وهذا الموضوع هو الأثر والعلاقة الدالة على الغربة في قلب الذات، وهو علامة على قطيعة لا رجعية فيها.

الإيديولوجيا والوهم

     ظهر لفظ الإيديولوجيا لأول مرة بفرنسا بوصفها علما للأفكار، و يرجع الفضل في نحث المصطلح إلى دستوت دي تراسي إذ ارتبط به إبان الثورة الفرنسية  لسنة 1789 ، حيث أعطى لهذا المفهوم مدلولين اثنين و هما:

مدلول  فلسفي: اعتبر فيه الإيديولوجيا علما أو شبه علم يقوم على الملاحظة والتجربة كنقيض لتفسير اللاهوت للعالم الذي يعتبره دو تراسي تفسيرا أوليا و طفوليا بينما الإيديولوجيا كما يتصورها تمثل التفكير الراشد و الناضج لارتكازها على الملاحظة والتجربة.

مدلول  إبستمولوجي: باعتبارها « العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، أي  مجموع وقائع الوعي من حيث صفاتها أو قوانينها وعلاقاتها بالعلامات التي تمثلها لاسيما أصلها»، هكذا يبدو أن دو تراسي حاول أن يعطي للإيديولوجيا بعدا علميا باعتبارها نسقا من الأفكار والتصورات البعيدة عن التمثلات اللاهوتية  والميتافيزيقية للعالم، فأصبحت الإيديولوجيا بهذا المعنى ضد الأفكار والأطروحات المحافظة، خاصة وأنها ارتبطت بالثورة الفرنسية وما أحدثته من تغير في بناء المجتمع الفرنسي، و انعكاسات هذه الثورة على صعيد الأمم الأوروبية.

تأسيسا على الدلالات السابقة، و ضدا على مفاهيمها نحث نابليون مدلولا جديدا للإيديولوجيا حيث اعتبرها أفكار المشاغبين الذين كانوا ضد حكمه ومن ثمة أخذت معنى انتقاصيا لدلالتها مع دو تراسي  إذ أصبح نابليون ينعت خصومه بالإيديولوجيين وذلك في إطار الصراع السياسي مع معارضيه. وفي هذا الصراع و السجال ظهر ما سمي "سجال المصطلحات" أو "الإيديوفوبيا" أي الخوف الشديد من الأفكار، فالأفكار تعبر عن المصالح و المطامح      أما لالاند فيعرف الإيديولوجيا بأنها «العلم الذي يتخذ موضعا له دراسة الأفكار، أي العلم الذي يبحث في صفات الأفكار و قوانينها و خاصة أصولها».

تحديدات بول ريكور لمفهوم الإيديولوجيا

يرى  بول ريكور أن الإيديولوجيا ترتبط بثلاث استعمالات. يهم الاستعمال الأول معنى الاختلال والتشويه للواقع، و هو المعنى الذي يشيع بين عامة الناس و الذي كان مصدره الماركسية حيث تسند للإيديولوجيا معنى يجعل من الممارسة أساسا لها و أن الإيديولوجيا مصدر التشويه.أما الاستعمال الثاني فربطه بول ريكور بالشكل الذي تظهر فيه الإيديولوجيا كظاهرة تشويهية و تزييفية بل يجعلها بول ريكور في هذه الحالة تبريرية أي أنها تحاول أن تتكلم بلسان الحاكم المسيطر و تشيد الشمولية و حين يبرز العنف داخلها تتحول الايديولوجيا إلى أداة قهر أكثر من المظاهر العنيفة التي تخلفها طاحونة الصراع الطبقي. أما الاستعمال الثالث فيربطه بول ريكور بما أسماه بالإدماج أي أن الجماعة تعمل على استدعاء ذكرياتها الأساسية باعتبارها أحداث أولية مؤسسة للهوية المحددة لهذه الجماعة، فهذا الاستعمال يساهم في تكوين عنصر جديد داخل بنية الذاكرة الجماعية.

إن بول ريكور يهدف من وراء تقسيماته هذه للإيديولوجية إلى تأكيد نقطة محورية لا تنفصل عن عملية الإيديولوجيا نفسها وهي حضور الوهم لتبرير وصفي لاسترداد الذكريات لتحقيق الإدماج.

الإيديولوجيا عند الماركسيين

        إن الإنسان عند الماركسيين كائن اجتماعي في جوهره، و بدون المجتمع لا يستطيع الإنسان العيش، إذ لا يمكنه أن ينتج الشروط الضرورية للحياة اللازمة لبقائه إلا في إطار المجتمع،و لكن أدوات ذلك الإنتاج تعود لكي تحدد أول ما تحدد العلاقات الإنسانية. ويرى ماركس استحالة فصل وعي الناس عن وجودهم الاجتماعي و يعطي للحياة الاجتماعية أهمية أساسية تحديد الوعي بل يجعلها هي التي تحدد الوعي.

إن الايديولوجيا، في نظر ماركس و رفيقه انجلز،«ليست سوى التعبير الفكري عن العلاقات السائدة في المجتمع تلك العلاقات التي تجعل من طبقة ما الطبقة السائدة على الطبقات الأخرى». بهذا المعنى فالايديولوجيا مجموع الأفكار الذي تسود المجتمع الطبقي و الذي ترسم بفعل الشروط المادية والروحية القائمة على صورة ناقصة و مشوهة للعلاقات السائدة  فيه. يقول انجلز: «الإيديولوجيا هي نشاط فكري ذلك الذي يدعى مفكر واعي في حين أنه إنما يصدر عن وعي زائف مغلوط ذلك لأن القوى الحقيقية المحركة له تبقى مجهولة لديه، وإلا لما كان نشاطه الفكري ذاك إيديولوجيا». إذن هي البناء الفكري النظري القائم على وعي مزيف لكونه يجهل مكوناته الموضوعية.

وقد وسع كل من ماركس و أنجلز فيما بعد مفهوم الإيديولوجيا فجعلاه البنية الفوقية برمتها لعصر من العصور التاريخية أي مجموع النتاج الفكري، من أدب و فن وفلسفة و دين و أخلاق و تشريع بحيث يسود مجتمعا من المجتمعات في عصر من العصور التاريخية.

أما لنين فيميز بين الإيديولوجيا البرجوازية والبرجوازية الاشتراكية، الأولى هي النسق الفكري الذي تقيمه البرجوازية لتخدع به نفسها وتخدع غيرها من الطبقات المضطهدة، والثانية هي المذهب الذي يقود كفاح الطبقة العاملة و تنير لها الطريق و الذي يأتي من الممارسة النظرية ، من المثقفون الثوريون الذين ربطوا مصيرهم بنضال و كفاح الطبقة العاملة.

بينما يميز مانهايم بين الإيديولوجيا الجزئية أو الخاصة، و الإيديولوجيا الكلية أو العامة فالأولى تعني مجموع الأفكار التي يعتنقها الشخص و التي يرى من خلالها حضوره مجرد غطاء شعوري لتحقيق الموقف الذي يصدر عنه، و الذي لا يعبر بصراحة لأنها تعارض مصالحه، فهي بهذا المعنى تبريرية تعمل على صرف النظر عن فحواها. أما الثانية فهي مجموع التصورات التي تعتنقها جماعة ما تبريرا لموقفها داخل المجتمع.

تصور نيتشه للأيديولوجيا

        يبرز نيتشه الطابع الأكثر سطحية و سوءا للوعي، بمعنى أن الوعي لدى الإنسان رغم تطوره في المستويات فإنه لا يدرك معنى وعيه لأفعاله وأفكاره ومشاعره، بل حتى حركاته فهو دائما يفعل نتيجة لإرادة قاهرة جاءت في صفة أمر (يجب عليك)، و هو هنا يؤكد مقولة العدمية التي تسيطر على الإنسان، فهو لا يعرف معنى الفكر الذي أصبح وعيا فالوعي عند نيتشه لا يعدو أن يكون أكثر من أجزاء الفكر السطحية و أكثرها سوءا.

إن بالإمكان، حسب نيتشه،  أن يعيش الإنسان حياته في استقلال عن الوعي تماما. لما كانت الحياة البشرية معرضة للهلاك بوصفها حياة يؤطرها الصراع من أجل البقاء اضطر الإنسان أن يعبر عن نفسه في كلمات، ومن ثمة يكون نمو اللغة ونمو الوعي متلازمين. هكذا اختلق الإنسان لنفسه أوهاما أصبحت تؤطر حياته وأضفى عليها صبغة حقائق تقنن واقعه (كالواجب والمسؤولية، والحرية …إلخ). فالحقائق في العمق ليست إلا أوهاما منسية.

الأسئلة:

1- ما الفرق بين الإحساس والوعي؟

2- هل فقدان الذاكرة يعني فقدان الوعي؟

3- هل يمكن الوعي والتفكير في "اللاشيء"؟

4- هل اللاوعي نقيض للوعي؟

5- ما الفرق بين الوعي والتفكير؟

6- هل يمكن أن يكون الوعي مصدرا للوهم؟

7- ما هي الإيديولوجيا؟

8- ما الفرق بين الإيديولوجيا والطوبى (اليوتوبيا)؟

9- ما الفرق بين الفكر الإيديولوجي والفكر العلمي؟

10- أين بكمن التشابه بين الدين والإيديولوجيا؟

القولات:

1- "كل وعي  هو أزمة فكرية = La prise de conscience est une crise de conscience". ما رأيك  ؟

2- " ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل على العكس إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". حلل وناقش

3- هل تتفق مع القول التالي: "الوعي الجمعي هو مجموع لاوعي الأفراد"؟

4- "لكي يكون وعيك جيدا في السياسة، يكفي أن تكون لديك ذاكرة ضعيفة". ما رأيك؟

5- "لا تحدث الثورات إلا هناك حيثما يوجد وعي". ما هو تقييمك لهذا القول؟

6- "الوعي هو الحياة، واللاوعي هو الموت، وبينهما يوجد العذاب". ما رأيك؟

7- "لا ينبغي التخوف من الإيديولوجيا إلا عندما ترتكز على الكراهية". ما رأيك؟

8- "العالم الثالث ليس حقيقة ولكنه إيديولوجيا" علق على هذا القول.

9- "الإيديولوجيا منظومة فكرية متناسقة مع ذاتها لكنها ليست متناسقة مع الواقع" ما رأيك؟

10- "الإيديولوجيا هي التي تفكر بدلا عنك". هل تتفق مع هذا القول؟

النصوص:

1-" وهكذا فإني و لما رأيت أن حواسنا تخدعنا أحيانا، افترضت أنّ لا شيء هو في الواقع على الوجه الذي تصوره لنا الحواس. وكذلك لما وجدت أن هناك رجالا يخطئون في استدلالاتهم، حتى في أبسط مسائل الهندسة، ويأتون فيها بالمغالطات، وأني كنت عرضة للزلل في ذلك كغيري من الناس، أعتبر باطلا كل استدلال كنت أحسبه من قبل برهانا صادقا. وأخيرا، لما لاحظت أن جميع الأفكار، التي تعرض لنا في اليقظة، قد ترد علينا في النوم، من دون أن يكون واحد منها صحيحا، عزمت على أن أتظاهر بأن جميع الأمور التي دخلت عقلي لم تكن أصدق من ضلالات أحلامي. ولكني سرعان ما لاحظت، وأنا أحاول على هذا المنوال أن أعتقد بطلان كل شيء، أنه يلزمني ضرورة، أنا صاحب هذا الاعتقاد، أن أكون شيئا من الأشياء. ولما رأيت أن هذه الحقيقة : أنا أفكر، إذن أنا موجود ، هي من الرسوخ بحيث لا تزعزعها فروض الريبيين مهما يكن فيها من شطط، حكمت بأنني أستطيع مطمئنا أن أتخذها مبدأ أولا للفلسفة التي كنت أبحث عنها.

ثم إني أمعنت النظر بانتباه في ما كنت عليه ، فرأيت أنني أستطيع أن أفرض أنه ليس لي أي جسم، وأنه ليس هناك أي عالم، ولا أي حيّز أشغله، ولكنني لا أستطيع من أجل ذلك أن أفرض أنني غير موجود، لأن شكي في حقيقة الأشياء الأخرى يلزم عنه بضد ذلك، لزوما بالغ البداهة و اليقين، أن أكون موجودا، في حين أنني، لو وقفت عن التفكير، وكانت جميع متخيلاتي الباقية حقا، لما كان لي أي مسوغ للاعتقاد أنني موجود. فعرفت من ذلك أنني جوهر كل ماهيته أو طبيعته لا تقوم إلا على الفكر، ولا يحتاج في وجوده إلى أي مكان، ولا يتعلق بأي شيء مادي، بمعنى أن "الأنا " أي النفس التي أنا بها ما أنا، متميزة تمام التميز عن الجسم، لا بل إن معرفتنا بها أسهل. ديكارت، مقال في المنهج.

هل يمكن الاعتماد على الحواس لأجل الوعي الحقيقي؟

2- " إن النفس والجسد شيء واحد، تارة نتصوره بصفة الفكر وطورا بصفة الامتداد مما يجعل نظام الأشياء أو ترابطها هو الأمر نفسه سواء أكانت الطبيعة متصورة على هذا النحو أو ذاك. مما يترتب عنه أن نظام أفعال الجسد وأهوائه تتوافق بالطبع مع نظام أفعال النفس وأهوائها (...) وبالرغم من أن طبيعة الأشياء لا تسمح بأي شك في هذا الشأن فإنني أحسب مع ذلك أن البشر، ما لم نمدهم بتأكيد تجريبي لهذه الحقيقة فإنهم سيجدون صعوبة في قبول تقليب هذا الأمر بعقل غير متحيز لشدة اقتناعهم بأن الجسد يتحرك تارة و طورا يكف عن الحركة بأمر من النفس وحدها، ويأتي أفعالا عديدة أخرى متوقفة على إرادة النفس وحدها وعلى طريقتها في التفكير. فلا أحد إلى الآن - والحق يقال - قد بين ما يستطيع الجسد فعله أي أن التجربة لم تعلم أحدا إلى اليوم ما يمكن للجسد بواسطة قوانين طبيعته وحدها، منظورا إليها بما هي جسمية فحسب، أن يفعله وما لا يمكن له أن يفعله إلا ما كان محددا من قبل النفس. وبالفعل فانه لا يعرف أحد تركيبة الجسد بقدر كبير من الدقة بحيث يمكن له أن يفسر كل وظائفه، دون أن نفصل الرأي هنا في ما نلاحظه عديد المرات في الدواب مما يتجاوز الفطنة البشرية على نحو كبير أو ما يفعله غالب الأحيان - النائم الماشي ، مما لا يجرأ عليه في يقظته. وإن ذلك ليبين بما فيه الكفاية أن الجسد يستطيع بواسطة قوانين طبيعته وحدها القيام بأشياء كثيرة تحمل النفس على الدهشة. ولا أحد يعرف كذلك كيف تحرك النفس الجسد ولا أية درجة من الحركة تستطيع أن تحدث فيه، ولا بأي سرعة يمكن لها تحريكه؛ فيترتب عن ذلك إن الذين يقولون إن هذا الفعل أو ذاك من أفعال الجسد مصدره النفس التي لها نفوذ كبير عليه، إنما يقولون ما لا يعلمون، وليس لهم من سبيل سوى الاعتراف، في لغة مموهة، بجهلهم للعلة الحق لفعل لا يثير لديهم أيّة دهشة. بيد أنه قد يقال إننا، سواء أعرفنا بأية وسائل تحرك النفس الجسد أم لم نعرف ذلك، فإننا - مع ذلك - على بينة بواسطة التجربة أن الجسد سيكون عاطلا لو كانت النفس قاصرة عن التفكير. ونحن نعرف أيضا بالتجربة أنه في مقدور النفس كذلك أن تتكلم أو أن تصمت وأشياء أخرى نظنها بعدئذ خاضعة لأمر النفس .

فأما في ما يتعلق بالحجة الأولى فاني أطلب من الذين يعتمدون التجربة ما إذا لم تكن هذه التجربة تفيد أيضا أنه إذا كان الجسد من ناحيته ساكنا فان النفس في ذات الوقت تكون قاصرة عن التفكير، فحينما ينقاد الجسد إلى الراحة في النوم فان النفس تبقى فعلا نائمة بنومه وليس لها قوة التفكير التي لها أثناء اليقظة ويعرف الجميع بالتجربة أيضا فيما أعتقد أن النفس ليس بوسعها دوما التفكير بنفس القدر في الموضوع الواحد، وأنه بحسب استعداد الجسد لاستيقاظ صورة هذا الموضوع أو ذاك تكون النفس أكثر استعدادا لاعتبار هذا الموضوع أو ذاك ...

وأما عن الحجة الثانية فمن المؤكد أن شؤون البشر ستكون طبعا في حال أفضل لو كان باستطاعتهم أيضا الصمت أو الكلام على حد سواء؛ بيد أنه ، وقد بيّنت التجربة ذلك بيانا مستفيضا، أن لا شيء أصعب على البشر من التحكم في ألسنتهم وليس أمرا يقصرون فيه قدر تقصيرهم في السيطرة على نوازعهم، ولذلك يعتقد أغلب الناس أن حرية الفعل لدينا موجودة فحسب فيما يتعلق بالأشياء التي نميل إليها بعض الميل لأنه من الهين علينا إخضاع النزوع بتذكر شيء آخر كثيرا ما نستحضره ، في حين أننا لسنا أحرارا إطلاقا فيما نميل إليه بإقبال شديد لا يحد منه تذكر أي شيء آخر. و إذا كانوا مع ذلك لا يعلمون بالتجربة أننا نندم في عديد المرات على ما قمنا به من أفعال، وأننا في الغالب، عندما تتغلب علينا انفعالات متعارضة ندرك الأفضل ونأتي الأرذل، فلا شيء يمنعهم عندئذ من الاعتقاد أن كل أفعالنا حرة. وهكذا يظن الرضيع انه يشتهي الحليب بكل حرية، والفتى أنه يريد الثأر من جراء غضبه والجبان انه يريد الفرار، كذلك يظن المخمور أن ما يقوله قرار حر صادر عن النفس في حين أنه يود - حال تخلصه من تأثير الخمر عليه - أن لا يتفوه بما كان قد تفوه به ، كذلك الشأن بالنسبة إلى الهاذي والثرثار والطفل وعدد كبير جدا من الأفراد من نفس الطينة الذين يعتقدون أنهم يتكلمون بقرار حر من النفس في حين أنه ليس بوسعهم التحكم في ما دفعهم إلى الكلام ، تبين التجربة إذن بالقدر نفسه الذي يبينه العقل أن البشر يعتقدون أنهم أحرار، لهذا السبب الوحيد المتمثل في أنهم واعون بأفعالهم وجاهلون بالعلل التي تتحكم فيها، وأن أوامر النفس ليست شيئا آخر سوى النوازع ذاتها، وهي تتغير بالتالي بحسب الاستعداد المتغير للجسد." باروخ اسبينوزا، الأخلاق

هل يعي الإنسان الجسد؟

3- " ثمة قول مأثور ينصح الإنسان بألاّ يخدم سيدين في آن واحد. و الأمر أدهى وأسوأ بكثير بالنسبة إلى الأنا المسكين إذ عليه أن يخدم ثلاثة أسياد قساة، وهو يجهد نفسه للتوفيق بين مطالبهم. وهذه المطالب متناقضة دوما، وكثيرا ما يبدو التوفيق بينها مستحيلا، فلا غرابة إذن أن يخفق الأنا غالبا في مهمته. وهؤلاء المستبدون الثلاثة هم العالم الخارجي والأنا الأعلى و الهو، وحين نعاين ما يبذله الأنا من جهود ليعدل بين الثلاثة معا، أو بالأحرى ليطيعهم جميعا، لا نندم على أننا جسمنا الأنا وأقررنا له بوجود مستقل بذاته، إنه يشعر بأنه واقع تحت الضغط من نواح ثلاث، وأنه عرضة لثلاثة أخطار متباينة يرد عليها، في حال تضايقه، بتوليد الحصر. وبما أنه ينشأ أصلا عن تجارب الإدراك، فهو مدعوّ إلى تمثل مطالب العالم الخارجي، غير أنه يحرص مع ذلك على أن يبقى خادما وفيّا للهو، وأن يقيم وإياه على تفاهم ووفاق، وأن ينزل في نظره منزلة الموضوع، وأن يجتذب إليه طاقته الليبيدية. وكثيرا ما يرى نفسه مضطرا، وهو الذي يتولى تأمين الاتصال بين الهو و الواقع ، إلى التستر على الأوامر اللاّشعورية الصادرة عن الهو بتبريرات قبل شعورية وإلى التخفيف من حدة المجابهة بين الهو والواقع، وإلى سلوك طريق الرّيّاء ا لدبلوماسي و التظاهر باعتبار الواقع، حتى وإن أبدى الهو تعنتا وجموحا. ومن جهة أخرى، فان الأنا الأعلى القاسي ما يفتأ يراقبه ويرصد حركاته، ويفرض عليه قواعد معينة لسلوكه غير مكترث بالصعاب التي يقيمها في وجهه الهو والعالم الخارجي. وإن اتفق أن عصى الأنا أوامر الأنا الأعلى عاقبه هذا الأخير بما يفرضه عليه من مشاعر أليمة بالدونية والذنب. على هذا النحو يكافح الأنا، الواقع تحت ضغط الهو والرازح تحت نير اضطهاد الأنا الأعلى والمصدود من قبل الواقع، يكافح لإنجاز مهمته الاقتصادية و لإعادة الانسجام بين مختلف القوى الفاعلة فيه والمؤثرات الواقعة عليه. ومن هنا نفهم لماذا يجد الواحد منا نفسه مكرها في كثير من الأحيان على أن يهتف بينه وبين نفسه : " آه ، ليست الحياة بسهلة ". سيغموند فرو يد، محاضرات جديدة في التحليل النفسي

كيف يؤدي الأنا وظيفته؟

4- "إن التناقض لا يقوم بين الوعي واللاوعي؛ ذلك أن اللاوعي ليس نقيض الوعي، وليس انعداماً أو نفياً له. فاللاوعي هو وعي كامن، يهدأ في سكينة الطاقة الواعية المستغرِقة في ذاتها؛ والوعي هو اللاوعي الذي ينفتح إلى الوجود رويداً ليفهم ذاته. إن وعيي الحالي هو وعيي الذي كان كامناً في كياني على نحو لاوعيٍ بالحاضر، ووعي كامل مستغرق في الوجود.

يتطابق الوعي واللاوعي ويتكاملان في وحدة تامة. فالحياة رحلة تبدأ باللاوعي – وهو الوعي الكامن، المستغرق في غيبوبة النشوة الروحية، والمتأمل ذاته على نحو عميق – وتنتهي بالوعي الذي بدأ يدرك أنه يدرك الموضوع الخارجي، ويتصور، ويتخيل، ويشعر، ويحس، ويحدس، ويجرِّد...

فإذا كان الوعي نتاج صلة الفكر والموضوع، العقل والمادة – ونعني: إذا كان وعينا يتشكل من انعكاس أشكال وصور المادة في أدمغتنا – كان اللاوعي انعدام وجود الأشكال والصور. إذن فاللاوعي هو الوجود الروحي المحض الذي يحقق ذاته على نحو وعي في العالم المادي الذي ندعوه عالمنا. ولا شك أن فهمنا لهذه الحقيقة يُمِدُّنا بنظرة كونية صافية تجعلنا متكاملين في ذواتنا. مقال من الأنترنت

هل يمثل اللاوعي نفيا للوعي؟

5- " منذ القدم، لاحظ الباحثون في علم النفس الإدراكي أن ردّة الفعل الفورية تجاه بعض المواقف كثيراً ما تسبق التفكير المنطقي. وهذا يعني أن الإنسان يشعر في لاوعيه بالأمور قبل حصولها، ويسرع إلى مواجهتها بانعكاسات فطرية لا تتناسب وأحكام العقل الواعي.

لنأخـذ مثـلاً شخـصاً قابلناه للـمرة الأولى وشعرنا تجاهه بكراهية لا مبرر لها، فما سبب ذلك؟ إن هذا الشخص، حسب اعتـقاد علماء النفـس، يرفضه لاوعـينا بعدما يقيّمـه انطلاقا من مقاييـس معيـنة، منها رواسب الذكريات والصراعات الداخلية، ثم ينقل الصـورة المأخـوذة عنه إلى شاشة "رادارنا الداخلي" ومنه إلى العقل الباطن الذي يطلق إشارات إنذار فورية، قبل أن تصل المعلومات إلى مركز التحليل الواعي ونتمكن من الانصياع إلى حكم المنطق.

تفكيرنا إذن يمر بمرحلة اللاوعي قبل الوعي، الأمر الذي يمدنا بطاقات هائلة تتخطى الزمان والمكان. وعن طريق الاستعانة بهذه الطاقات الغامضة، تمكّن أجدادنا من تحدي الصعاب والتنبؤ بالمخاطر استعدادا لمواجهتها وبالتالي تمكنوا من تأمين بقاء النسل. مقال من الأنترنت

كيف يعمل اللاوعي؟

6- "... إن الإيديولوجيات تتميز عن المنظومات المعتقدية الأخرى بالموقع الذي تحتله بالنسبة إلى ثماني معايير. فهي تعلن عن نفسها من خلال: 1- طابعها الصريح والواضح، 2- إرادتها في الالتفاف حول معتقد إيجابي...، 3- إرادتها في التميز بالنسبة إلى منظومات معتقدية أخرى ماضية أو حاضرة، 4-انغلاقها أمام التجديد، 5-الطابع المتشدد لقناعاتها، 6- الطابع الهواوي (من الهوى) لانتشارها، 7- مطالبتها بالتموقع والانتماء، 8- وأخيرا ارتباطها بمؤسسات مكلفة بدعم وتحقيق المعتقدات المعنية." ر. بودون، الإيديولوجيا

ما هي الخصائص المميزة للمنظومات الإيديولوجية؟

7- "أوضحنا خمسة استعالات رئيسة:

أولا: استعمال القرن 18 حيث تعني الأدلوجة الأفكار المسبقة الموروثة من عصور الجهل والاستعباد والاستغفال. يتقابل في هذا الاستعمال التقليد الجاهل مع العقل الكاشف عن البديهية، وهو عقل لا يختلف في الفرد وفي الإنسانية جمعاء. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقا من العقل الفردي.

ثانيا: استعمال الفلاسفة الألمان، هبجل والرمانسيين بوجه خاص، حيث تعني الأدلوجة منظومة فكرية تعبر عن الروح التي تحفز حقبة تاريخية إلى هدف مرسوم في خطة التاريخ العام. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقا من التاريخ كخطة واعية بذاتها.

ثالثا: الاستعمال الماركسي حيث الأدلوجة منظومة فكرية تعكس بنية النظام الاجتماعي. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقا من البنية الباطنة للمجتمع الإنساني الذي يتميز بإنتاج وسائل استمراريته.

رابعا: استعمال نيتشه حيث الأدلوجة مجموع الأوهام والتعليلات والحيل التي يعاكس بها الإنسان/الضحية قانون الحياة. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقا من الحياة كظاهرة عامة تفصل عالم الجماد عن عالم الأحياء.

خامسا: استعمال فرويد حيث الأدلوجة مجموعة الفكرات الناتجة عن التعاقل الذي يبرز السلوك المعاكس لقانون اللذة الضروري لبناء الحضارة. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقا من اللذة وهي ميزة الحيوان وبالتالي ميزة الإنسان الأولي.

في هذه الاستعمالات الخمسة تتغاير التعابير (تقليد، روح، بنية، وهم، تعاقل) وتختلف المنطلقات التي تميز الأدلوجة عن الحق (عقل فردي، تاريخ عام، مجتمع إنساني، حياة حيوان)، لكننا نلاحظ فيها تشابها بنيويا، كل استعمال يفرق بين الظاهر والخفي، بين الملموس والحقيقي، بين الوجود والقيمة، يحدد بالتالي الأدلوجة انطلاقا من الحق الثابت، فيرفع قناع الأدلوجة عن الحقيقة الباطنية..." عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا

ما هو المشترك في الاستعمالات المختلفة لمفهوم الإيديولوجيا؟

8- " إن الدولة هي أوسع وأضخم مؤسسة إجرامية في كل العصور، وفاعليتها أكبر من أي مافيا في التاريخ.

وهنا يأتي دور الإيديولوجيا والإيديولوجيين. ففي كل العصور أقامت الدولة حواريين وظيفتهم هي إضفاء المشروعية عليها. وهؤلاء الإيديولوجيون مكلفون بتفسير أن جريمة فردية هي شيء يتعين إدانته لكن نفس الفعل الذي تمارسه الدولة بصورة جماعية هو عبارة عن عدالة. بدون إيديولوجيا ليس هناك جهاز دولة. والساسة يعرفون ذلك جيدا منذ القديم. لقد تغير مضمون الإيديولوجيات لكن الهدف ظل هو هو دوما: وهو إقناع الرأي بأن وجود الدولة وسيئاتها ضروريان ويتعين أن يكونا مطلقين. لا يوجد أي نظام... يمكن أن يستمر... إذا لم يكن الرأي العام يدعمه ويسانده...

كان الرهبان لزمن طويل هم الإيديولوجيين. وفي العصر الحديث استبدلت الدولة الرهبان بخطاب ذي مظهر علمي من طرف الاقتصاديين والعلماء وباقي الجامعيين. وليس من باب الصدفة أن هؤلاء الدعائيين موظفون من طرف الدولة، وأن الدولة تراقب كل أشكال التعبير والتواصل. وهذا ما يحول دون قيام ثورة تحررية.

لكن إذا كانت الدولة تراقب المثقفين، فلماذا يحتاج المثقفون للدولة؟ إن سبب ذلك هو أن كل مثقف في قرارة نفسه يشاطر المثال الأفلاطوني حول الفيلسوف-الملك. وبالإضافة إلى ذلك فإن الخدمات التي يقدمها المثقفون، في السوق الاستهلاكية، ليست مطلوبة كلها منهم، فالدولة تضمن لهم الحد الأدنى من المنافد" موري روثبارد، الدولة هى اللصوصية.

لماذا تحتاج الدولة إلى الإيديولوجيا بجانب مؤسسات العنف؟